النجاح الإخباري - طفلاتٌ بغزة.. "عرائس" وسط الخيام!

فاطمة: كنت ألعب الحجلة عندما نادتني أمي للخيمة وقالت لي "مبروك".. صرت زوجة بمسؤوليات أكبر من عمري تفاقمها الحرب قسوة

---------------------------------------------------------

ريم: استشهد أبي ولم تعد أمي قادرة على إعالتنا.. تزوجتُ ابن عمي وعدت بعد ثلاثة أشهر لخيمتها مطلقة

---------------------------------------------------------

منال: الحرب أفقدت أبي عمله. لم يكن أمامه خيار سوى تزويجي لتوفير لقمتي متغاضيًا عن سنّي وحلمي بإكمال التعليم

---------------------------------------------------------

عام 2019م عُدّل سن الزواج في الضفة وغزة بشكل منفصل. في قطاع غزة يستند القانون إلى "قانون حقوق العائلة 1954م" والمذهب الحنفي

-------------------------------------------------------

مأذون شرعي: "خلال الحرب، سُمِح بإبرام عقود زواج للفتيات دون سن 17 بشرط التأكد من بلوغها الجسدي. الزواج أصبح حاجة إنسانية مثل أي احتياج للحياة"

----------------------------------------------------

عضو في المجلس الأعلى للقضاء الشرعي: ""الحرب فرضت واقعًا استثنائيًا استدعى مرونة في تطبيق القانون. لا يمكن التعامل بذات الصرامة السابقة لأن المصلحة المعتبرة شرعًا تغيرت".

-------------------------------------------------

محامي شرعي: "لا توجد مادة صريحة تجرّم تزويج القاصرات طالما تم الزواج بموافقة الولي وبإذن القاضي. حتى الطعون أو العقوبات شبه معدومة".

--------------------------------------------------------

أخصائية في شؤون الأسرة والمجتمع: "انهيار التعليم دفع الأهالي إلى اليأس من استكمال تعليم بناتهم، ما حول الزواج المبكر إلى خيار يخفف من عبء التكاليف ويردع مخاوف الشرف".

-------------------------------------------------------

أخصائي نفسي: "تزويج صغيرات السن يُجبرهن على مسؤوليات تفوق قدراتهن النفسية والاجتماعية، ويزيد من مخاطر الاكتئاب، والقلق، وفقدان الثقة بالنفس".

---------------------------------------------------

مديرة مركز شؤون المرأة: "زواج القاصرات يعطل تعليم الفتاة ويحد من مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحتى لو وافقت فهو قسري بحكم القانون والمنطق، لأنها لا تملك النضج لاتخاذ القرار".

-----------------------------------------------

رشا أبو جلال

وسط أزقة مخيمات الإيواء المكتظة في قطاع غزة، حيث تتكدس الخيام فوق بعضها، وتنعدم الخصوصية، تتسارع خطوات الطفولة نحو بوابات الزواج المبكر. هناك، لا تُقاس الأعمار بالأيام، بل بالخوف من القادم، والرغبة في الحماية، ولو كان الثمن "براءة المرحلة".

مع تصاعد وحشية الإبادة خلال أشهر العام 2025م، ومع تلاشي الأمان وغياب أبسط مقومات الحياة، بدأت العديد من العائلات ترى في تزويج بناتها "القاصرات" وسيلة لحمايتهن من "الخطر"، حتى لو كان الثمن أن تُخطف أعمارهن في لحظة. يظهر هنا وجه آخر لأزمة مركبة تعيشها مئات الفتيات في مخيمات النزوح، حيث تُفرض قرارات الكبار على أجساد الصغيرات، تحت ذريعة "السّتر".

الحديث عن زواج القاصرات في خيام النزوح خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تعدّى كونه حديثًا عن حالاتٍ فردية أو شحيحة وسط المجتمع الكبير. شهادات مؤلمة لفتيات وأمهات وجدن أنفسهن فجأةً أمام "الزواج" كخيارٍ صعب أحيانًا بفرضٍ من ولي الأمر، وفي أحيان أخرى بسبب "الظروف" وفق ما قالت بعضهن.

هذه الحالة -وهي ليست غريبة عن المجتمع الفلسطيني رغم تراجعها في السنوات الماضية- طرحت خلال الإبادة تساؤلات أخلاقية واجتماعية عن حدود الحماية وعمق الأذى، في واقع تمزقه الحرب وتكبله العادات والتقاليد.

"لنحمي شرفنا"

فاطمة (اسم مستعار)، أكبر أشقائها الأربعة، وتبلغ من العمر ستة عشر عامًا. تسترجع تلك اللحظة الفارقة التي تصفها بقولها: "غيرت حياتي كلها".

تخبرنا: "بينما كانت الطائرات تحوم مع بداية النزوح في أكتوبر 2023م فوق مخيم الإيواء الذي استقرت فيه عائلتي بدير البلح، وسط قطاع غزة، وبينما أنا أشارك صديقاتي اللعب (كان عمري آنذاك 14) لعب الحجلة، نادتني أمي وهي تضحك، وطلبت مني الدخول إلى الخيمة".

تضيف: "احتضنتني، وقالت لي مبروك يا فاطمة. ولما سألتها عن السبب أجابتني: كبرتي وبدنا نزوجك".

لآخر لحظة، ظنت فاطمة أن والدتها تمزح، فابتسمت بخجل. وأكملت: "قالت لي والدتي (ضحكتِ يعني موافقة؟)، لم أجب، فقط صمتُّ، ولم أطرح أي سؤال، لاعتقادي أن والداي أكثر علمًا بمصلحتي".

لم تمضِ أيام قليلة حتى جاء العريس مع والده إلى خيمة فاطمة. ابن عمها "سالم" الذي يكبرها بعامين فقط! تزيد: "طلبَت مني أمي أن أحضر فستانًا كانت اشترته لي بعد النزوح من سوقٍ قريب، ثم دفعتني لأقدم لهم الشاي. وجدتهم يتفقون على موعد عقد القران، وبعد عدة أيام جاء الشيخ".

بعد أسبوعين أقيم للاثنين عرس بسيط وسط الخيام، ثم انتقلت فاطمة إلى خيمة سالم، لتبدأ حياتها كزوجةٍ صغيرة، بمسؤولياتٍ أكبر من عمرها، زادتها الحرب صلافةً وقسوة.

والدة فاطمة، التي تمنعت عن الحديث بدايةً، لا سيما وأنها "اشتمّت رائحة انتقادٍ في حديثنا" كما تُعبّر، قالت: "نزحنا من بيت حانون لعدة أماكن، بين تجمعات إيواء ومدارس نزوح. هربنا من القصف مرارًا بحثًا عن الأمام، وسط حياةٍ تفتقر لأدنى مساحات الخصوصية".

تدافع الأم عن قرارها بالقول: "كان ضروريًا". وتتابع: "نعيش وسط خيام متلاصقة، كنت أخشى على بناتي، خاصة فاطمة، من نظرات الفتيان في الخيام المجاورة. لم نعد ننام مطمئنين، حتى دخول الخيمة والخروج منها أصبح محفوفًا بالإحراج والخوف".

وتضيف: "كان والدها خائفًا عليها من أن يحصل أي شيء يسيء لسمعتها أو سمعة العائلة. فكرنا كثيرًا، وقلنا إن الأفضل أن نزوجها لابن عمها، فنرتاح ونطمئن عليها".

وتختم والدتها حديثها بالقول: "نحن لا نريد أن نحرم بناتنا من طفولتهن، لكن الحرب قلبت حياتنا رأسًا على عقب، ولم تترك لنا خيارًا سوى أن نحمي شرفنا بطريقتنا".

"لتخفيف العبء"

على خطٍ مقابل، تحكي ريم (16 عامًا) كيف كانت تحلم بأن تصبح محامية، ترتدي روب المرافعة الأسود، وتقف في قاعة المحكمة بثقةٍ لتدافع عن المظلومين، لولا أن الحرب اندلعت، وقتلت كل الأحلام في عيونها.

نهايةٌ غير متوقعة، حولتها لزوجةٍ في رمشة عين، بعد أن استشهد والدها عقب شهرٍ واحد من اندلاع الإبادة، في قصف إسرائيلي استهدف بلدة خزاعة شرقي خان يونس جنوبي قطاع غزة.

منذ رحيله، تغير كل شيء، وأصبحت أم ريم المعيلة الوحيدة، تعمل لساعات طويلة في الخياطة اليدوية داخل خيمتها القماشية، محاولة توفير الطعام لأطفالها الثلاثة، بينما تكفكف دموعها في الليل حين ينام الصغار.

تقول ريم: "بعد عدة أشهر من استشهاد أبي، زارنا عمي مقترحًا تزويجي لابنه. لم يسألني أحد إن كنت أريد الزواج، فقط قالوا إن الوضع لا يحتمل، وإن وجودي في بيت زوجي سيخفف عن والدتي عبئًا كبيرًا. حاولت أن أشرح لهم أنني أريد أن أكمل دراستي، أن الجامعة كانت حلمي، لكن أحدًا لم يسمعني".

بعد يومين فقط، جاء المأذون مع عمي وكتب الكتاب بموافقة الوالدة، وتخبرنا: "حتى المأذون لم يسأل إن كنت موافقة أولا".

انتقلت ريم إلى خيمة ابن عمها كزوجة، تقول: "لم أكن مستعدة، ولا أرغب في هذا الزواج، لكنه فرض عليّ كما فُرضت الحرب والنزوح وفقدان والدي".

وترى ريم أن القرار "بينما يراه عمي ووالدتي ضرورة، أراه حكمًا بالإعدام لحياتي وحلمي ومستقبلي".

أمها التي ما زالت تخيط ملابس للنازحين يدويًا، في إحدى خيام النازحين بخانيونس، تبرر: "لم يكن أمامي خيار. الحياة في الخيام لا ترحم".

وتعترف: "ريم كانت مجتهدة، وكنت أتمنى لو أنها تكمل تعليمها، لكن واقعنا أقسى من أحلامنا. لم أعد قادرة على توفير طعام وشراب للجميع، ولما اقترح عمها تزويجها لابنه فكرت كثيرًا ثم وافقت"، مردفةً بحرقة: "من قال لكم إننا نملك رفاهية الاختيار تحت النار؟ الحرب أغلقت كل الأبواب، ولم تترك لنا سوى طريقًا واحدًا، وإن كان مؤلمًا".

بعد ثلاثة أشهر فقط من انتقال ريم إلى عش الزوجية، انتهى مشوارها بالطلاق والعودة إلى خيمة عائلتها. لم ترغب ريم بالحديث عن التجربة سوى ببضع كلمات: "كانت هناك مشاكل عائلية. صراع بين حلمي بإكمال تعليمي الثانوي والجامعي، وبين حماتي التي لم ترغب بي سوى خادمة في بيتها".

وفي خيمةٍ صغيرة داخل أحد مراكز الإيواء غربي مدينة غزة، كانت منال (اسم مستعار)، ذات الخمسة عشر عامًا، تستمع لنصائح والدتها. الفتاة التي كانت تحلم بإتمام تعليمها، أصبحت زوجة الآن.

نزحت من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة بعد تدمير منزلهم بالقصف الإسرائيلي، ووجدت نفسها ضحية قرار اتخذه والدها تحت وطأة الحاجة والعجز.

يقول والدها، واسمه سامي: "كنت أعمل في مصنع للمواد البلاستيكية شرقي غزة، وبعد أن دُمّر في الحرب، فقدت مصدر رزقي ولم يعد لديّ أي دخل".

ويضيف: "لم أعد قادرًا على تأمين لقمة العيش لأسرتي. حين تقدم ابن خال منال لخطبتها، وافقت دون تردد. قلت في نفسي: على الأقل تجد بيتًا يأويها، وأتخفف من عبء إعالتها".

لكن منال لا ترى الأمور بعين والدها. بصوت خافت ونظرة دامعة، تقول: "لم أكن أرغب في الزواج. كنت أحلم بإكمال دراستي. أحب مادة اللغة الإنجليزية، وأتمنى أن أصبح معلمة يومًا. لكن لم يسألني أحد. الجميع قرّر عني".

جاء الزواج على عجل، دون تجهيز، دون فرح، ودون موافقة كاملة منها. مجرد مأذون، وشهود، وكلمة "تم القبول".

تعقب: "عندما دخل المأذون خيمتنا، شعرت وكأنه سيضع رصاصة في رأسي". وتتساءل: "لو انتهت الحرب، هل يمكنني العودة إلى الدراسة؟ أم أنني أصبحت زوجة ولم يعد لي الحق؟".

قانون حقوق العائلة والمذهب الحنفي

قصص فاطمة وريم ومنال، ليست فردية، بل تعبر عن عودة نمو ظاهرة زواج القاصرات وسط المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، بعد أن انخفضت معدلاتها بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية.

وتنص اتفاقية حقوق الطفل على أن الطفل هو كل إنسان لم يبلغ الثامنة عشرة، ودعت الدول الأطراف إلى اتخاذ جميع التدابير لمنع الزواج المبكر والقسري.

كما أكدت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على ضرورة الرضا الكامل والحر للزواج، وهو ما لا يتحقق غالبًا في حالات زواج القاصرات في المجتمع الفلسطيني.

فلسطين، بوصفها دولة موقعة على هذه الاتفاقيات، ملتزمة قانونيًا بمنع زواج القاصرات، ومع ذلك تسمح بعض القوانين المحلية باستثناءات. على مدار العقود الماضية، كان سن الزواج المسموح به في المجتمع الفلسطيني تحدده المادة الخامسة من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1976م، التي تنص على أن يكون سن الخاطب 16 عامًا وسن المخطوبة 15 عامًا.

لكن في 2019م، عُدّل سن الزواج في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل منفصل. ففي الضفة، أصبح الحد الأدنى 18 عامًا لكل من الذكور والإناث، مع إمكانية استثناء من المحكمة عند الضرورة. أما في غزة، فيستند القانون إلى "قانون حقوق العائلة 1954م" والمذهب الحنفي، حيث لا يقل عمر المخطوبة عن 17 عامًا، إلا أن المواد الأخرى فتحت المجال أمام تزويج الفتيات دون هذا السن، بحسب تقدير القاضي وبموافقة الولي، ما يتيح عمليًا تزويج الفتيات بعد سن التاسعة.

يقول المحامي عبد الحميد أبو ندى: "المادة السادسة تمنح القاضي سلطة الترخيص بزواج الشاب قبل بلوغ الثامنة عشرة إذا بدت هيأته كافية، والمادة السابعة تمنح القاضي الحق نفسه للفتاة قبل السابعة عشرة. والمادة الثامنة تحدد الحد الأدنى رسميًا باثني عشر عامًا للفتى وتسع سنوات للفتاة".

 "عقود قانونية 100%"

وقد تسببت حرب الإبادة التي أعلنت على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، بتدمير معظم المحاكم الشرعية في شمالي غزة ومدينة غزة جزئيًا أو كليًا، ما أدى إلى توقفها عن تقديم خدماتها. ونتيجة ذلك، أُنشئت محاكم شرعية متنقلة، تعمل ضمن إمكانيات محدودة لتوثيق عقود الزواج، وتقديم بعض الإجراءات الشرعية الضرورية.

انتقلت محكمة دير البلح إلى غرفة ضيقة داخل مستشفى يافا، لا تتسع إلا لعدد محدود من القضاة والمراجعين. بينما تعمل محكمة خان يونس داخل مستشفى ناصر، ومحكمة رفح في مبنى مؤقت يعرف باسم "ديوان كراج رفح"، حيث توثق جميع المعاملات الرسمية، بما فيها عقود الزواج في هذه المواقع البديلة".

ويؤكد المأذون الشرعي عبد السلام، الذي اشترط عدم ذكر اسمه بالكامل: "خلال الحرب، سُمِح بإبرام عقود زواج للفتيات دون سن 17 بشرط التأكد من بلوغها الجسدي. الزواج أصبح حاجة إنسانية مثل أي احتياج للحياة، والأهالي لجأوا لتيسير العقود بعد توقف المحاكم".

ويضيف: "في ظل فوضى الحرب أخذ القضاة والمأذونون هذا على عواتقهم، واتبعوا الإجراءات المعتادة: التوجه إلى مختار المنطقة، ثم كاتب العرائض لإعداد "المظبطة"، ثم المأذون الشرعي لاستكمال الإجراءات، وأخيرًا القاضي للموافقة النهائية. هذه العقود قانونية 100٪".

هل تدخّل القضاء؟

يقر عضو المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الشيخ عمر نوفل بارتفاع عدد عقود الزواج التي شملت فتيات دون سن الثامنة عشرة خلال الحرب، مؤكداً أن القضاء الشرعي "على علم كامل بما يجري، ويتابع الملف ضمن الأطر القانونية والإنسانية" على حد تعبيره.

ويضيف: "دور القضاء الشرعي ليس المنع المطلق ولا الإباحة المطلقة، بل الموازنة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي. نرفض أي زواج يثبت أنه قسري أو يلحق ضررًا بالفتاة، ونؤجل أو نرفض طلبات إذا لم تحقق المصلحة".

ويشير نوفل إلى أن "الحرب فرضت واقعًا استثنائيًا استدعى مرونة في تطبيق القانون. في مثل هذه الظروف، لا يمكن التعامل بذات الصرامة السابقة، لأن المصلحة المعتبرة شرعًا تغيرت".

بدوره، يؤكد المحامي محمد أبو عمرة أن المشكلة الرئيسة ليست في النصوص القانونية وحسب، بل في غياب أي إطار يسمح بمحاسبة من يزوّج قاصرة أو يسهّل ذلك. يقول: "لا توجد مادة صريحة تجرّم تزويج القاصرات طالما تم الزواج بموافقة الولي وبإذن القاضي. حتى الطعون أو العقوبات شبه معدومة".

ويتابع: "حتى إذا انتهى الزواج بالطلاق أو ظهرت آثار سلبية واضحة، لا يفتح ملف محاسبة، لأن الضرر لا يُنسب قانونيًا إلى الزواج نفسه، بل يُنظر إليه كخلاف أسري".

وشهد زواج القاصرات قبل بدء الحرب، تراجعًا ملحوظًا في غزة، إذ أظهرت إحصاءات مركز الإحصاء الفلسطيني انخفاضًا من 28.4٪ في 2009 إلى 17.9٪ حتى مطلع عام 2023م. إلا أن هذه النسبة بقيت أعلى بكثير منها في الضفة الغربية التي سجلت 5.6٪ في 2022م.

مع اندلاع الحرب، ساهمت ظروف الفقر والنزوح وفقدان الأمن وانهيار التعليم في ارتفاع معدلات زواج القاصرات. تشرح سماح السقا، خبيرة الأسرة والمجتمع ذلك بقولها: "انهيار التعليم دفع الأهالي إلى اليأس من استكمال تعليم بناتهم، ما حول الزواج المبكر إلى خيار يخفف من عبء التكاليف ويردع مخاوف الشرف".

كما ساهم انخفاض المهور والاقتصار على مراسم بسيطة خلال الحرب في سهولة تزويج البنات بميزانيات ضئيلة، حسب السقا. وتضيف أن المساعدات الإغاثية أحيانًا تستهدف الأسر المتزوجة فقط، مما شجع الأهالي على تزويج أبنائهم للاستفادة من المساعدات.

 "قسري بحكم القانون والمنطق"

من ناحيةٍ أخرى، يوضح د. درداح الشاعر، أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن تزويج الفتيات صغيرات السن يُجبرهن على مسؤوليات تفوق قدراتهن النفسية والاجتماعية، ويزيد من مخاطر الاكتئاب، والقلق، وفقدان الثقة بالنفس.

يؤدي الزواج المبكر (والحديث له) إلى ارتفاع نسب التسرب المدرسي والمشاكل الصحية والنفسية، ويزيد من احتمالات العنف الأسري والطلاق.

في حين تضيف آمال صيام، مديرة مركز شؤون المرأة: "زواج القاصرات يمس حقوق الإنسان الأساسية، ويعطل تعليم الفتاة ويحد من مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. حتى لو وافقت الفتاة، فهو قسري بحكم القانون والمنطق، لأنها لا تملك النضج الكافي لاتخاذ القرار".

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تتفاقم الأزمات مع نقص الرعاية الصحية والغذائية. كما يوضح زاهر الوحيدي، مسؤول دائرة المعلومات في وزارة الصحة بغزة. يقول: "هناك أكثر من 60 ألف امرأة حامل عانين من سوء التغذية الحاد خلال عامي الإبادة، و3,500 طفل حياتهم بقيت معلقة بين الموت والحياة بسبب نقص الغذاء والعلاج".

تضاف هذه الأوضاع إلى واقع خيام الإيواء التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة، حيث تُزفّ الطفولة على عجل إلى الزواج. فاطمة، ريم، ومنال، وجوه لظاهرة يغذّيها الفقر والخوف وغياب الأمان، الحرب التي لم تنتهِ حتى اللحظة، بالإضافة لتفكك المنظومة الاجتماعية، باتت تختزل أحلام القاصرات في "سترة" مصنوعة من خيوط القهر والغصة والحرمان حتى من أبسط الحقوق: "حلمٌ بدفترٍ وكراسة وصورة تخرج".

وبرغم كافة المبررات التي تسوقها العائلات الفلسطينية في قطاع غزة لنفسها، وقرارها تزويج بناتها -تحت السن المناسب- فإن ما تؤكد عليه القوانين الدولية، ونصوص حقوق الإنسان والمرأة، بأن تزويج الطفلات ليس حماية، بل نزع قسري للحق في التعليم والنمو والاختيار. إن لم يلتفت المجتمع والقانون وصناع القرار إلى هذه المأساة، ستكبر الحرب داخل أجساد الصغيرات، حتى بعد صمت القصف، لأن السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الهدنة، بل بحماية طفلة كانت تحلم بمقعد دراسي، لا فراش زفاف.

المصدر: شبكة نوى