النجاح الإخباري - صحيفة عبرية تكشف: احتكار عشرة تجار فقط للاستيراد... وعمولات تصل إلى 140 ألف دولار للشاحنة الواحدة

تكشف صحيفة «هآرتس» العبرية عن منظومة معقدة من القيود والاحتكارات والفساد، فرضها الاحتلال على آليات إدخال البضائع إلى قطاع غزة، أفضت إلى نشوء سوق سوداء واسعة يدفع سكان القطاع ثمنها الباهظ. وبينما يتشدق الاحتلال بالتزامه بإدخال المساعدات، تكشف التفاصيل عن واقع مغاير تماماً، حيث تتحول القيود «الأمنية» إلى أداة لخنق الحياة اليومية للفلسطينيين.

 قيود اعتباطية على المنتجات الأساسية

وبحسب الصحيفة، فإن قرارات الاحتلال بحظر إدخال منتجات معينة «خلقت فراغاً في السوق الغزي، سارع مستوردون غير قانونيين إلى ملئه، وأنشأوا صناعة كاملة لتجارة التصاريح، أحياناً مع غضّ طرف من الجيش».

وأشارت إلى أن القيود لا تقتصر على ما يمكن اعتباره «كماليات»، بل تشمل «منتجات تُعد أساسية وضرورية – مثل لحم البقر والدجاج من جهة، ومنتجات النظافة من جهة أخرى».

ونقلت عن أحد التجار قوله: «مسموح البسكوت العادي، وممنوع البسكوت مع الشوكولاتة»، في إشارة إلى اعتباطية القرارات الإسرائيلية.

وكشفت أن من بين المنتجات التي رفضها الاحتلال في فترات مختلفة: «الشوكولاتة، البيض، قصّافات الأظافر، مزيلات العرق على شكل بخاخ، ومنتجات التجميل»، فيما أُبلغت المنظمات الإنسانية بأن «البسكوت ليس جزءاً من السياسة الإنسانية»، وكذلك «المياه المعدنية، الألواح الشمسية، ألواح البروتين، وحتى البطاطا».

 احتكار عشرة تجار فقط

وأقرّت الصحيفة بأن الاحتلال قصر الاستيراد التجاري على «عشرة تجار غزيين فقط اختارتهم إسرائيل، مقارنة بنحو ألف تاجر مرخّص قبل الحرب».

ونقلت عن أحد كبار التجار في القطاع، ممن لم يحصلوا على تصريح، قوله: «غير واضح كيف جرى اختيار هؤلاء العشرة، فهم ليسوا خبراء في استيراد الغذاء. بعضهم يعمل في المقاولات، آخرون سائقون أو يعملون في تزويد الوقود. هناك احتكار ولا توجد منافسة، والأسعار ترتفع».

وأشارت إلى أن التقييد يشمل أيضاً مصادر الشراء، إذ «يُسمح لهم بشراء البضائع من أربع شركات إسرائيلية فقط»، بينما «يُحظر كلياً شراء منتجات من الضفة الغربية أو من مصر».

 تجارة التصاريح وعمولات خيالية

وكشفت الصحيفة عن منظومة فساد واسعة تقوم على «وسطاء» وصفتهم بـ «مواطنين إسرائيليين، يرتبط بعضهم بمنظمات إجرامية »، يقومون بـ«شراء التصاريح من أصحابها القانونيين، ثم يتصرفون بالشاحنة كما يشاؤون».

ونقلت عن ضابط وصفته بـ«الرفيع» قوله: «يُجبى عن كل شاحنة عمولة تتراوح بين 120 و140 ألف دولار. هذا المبلغ هو ثمن الربط نفسه».

وأشارت إلى حالة «تاجر إسرائيلي حاول إدخال شاحنة محمّلة بالشوكولاتة إلى غزة، وطُلب منه دفع نحو 500 ألف شيكل لوسيط».

وأقرّت بأن «الإدارة المدنية، الجهة المشرفة مباشرة على كل ما يدخل إلى القطاع، على دراية تامة بالظاهرة لكنها تميل إلى غض الطرف».

 أسعار خيالية يدفعها الفلسطينيون

ونقلت الصحيفة شهادات سكان غزة حول الأسعار المرتفعة. وقال أحد سكان شمال القطاع: «كيلوغرام الطماطم يكلف اليوم خمسة شواكل، قبل الحرب كان شيكلين»، مضيفاً أن «ما يدخل إلى غزة هو لحم منتهي الصلاحية، وليس منتجات طازجة، ولا يمكن معرفة في أي ظروف حُفظ».

وأوضح أن «الأسعار تتغير باستمرار، حتى عدة مرات في اليوم»، مشيراً إلى أن «سعر زجاجة الكولا كان قبل الحرب شيكلاً واحداً، أثناء الحرب 12 شيكلاً، والآن خمسة شواكل».

وقال مواطن آخر: «كيلوغرام التفاح يكلف ثمانية شواكل، في السابق كان شيكلاً أو شيكلين. هذه أسعار لا يستطيع معظم الغزيين دفعها».

ونقلت عن مواطن يعيش مع عائلته في خيمة برفح قوله: «عندما أذهب إلى السوق لا أستطيع شراء كل ما أحتاجه. أحيانًا أضطر إلى التنازل عن أدنى الاحتياجات والاكتفاء بالأساسيات التي تبقينا على قيد الحياة»، مضيفاً أنه «تلقى آخر حزمة مساعدات قبل نحو أربعة أشهر».

 أزمة الأدوية ومنتجات النظافة

وبرزت أزمة الأدوية في شهادات المواطنين، حيث نقلت الصحيفة عن أحدهم قوله: «تبيع الصيدليات أدوية انتهت صلاحيتها قبل ثلاث سنوات وبأسعار فاحشة».

كما أشار مواطنون في رفح إلى أن «مواد المكافحة، منتجات النظافة الشخصية والأدوية، مثل المراهم الجلدية، باهظة الثمن»، في ظل ظروف صحية صعبة في الخيام التي وصفها بأنها «مليئة بالحشرات والقوارض».

 الفحص الأمني: ذريعة أم واقع؟

وأقرّت الصحيفة بأن الفحص الأمني المزعوم للشاحنات يكاد يكون شكلياً، حيث نقلت عن مسؤول أمني قوله: «نتحدث عن دقائق معدودة لكل شاحنة. في بعض المعابر لا يوجد فحص إشعاعي كامل، بل تفتيش عيّني».

وأشارت إلى أن «بعض موظفي الإدارة المدنية يساعدون أحياناً في الوساطة بين التجار والمزارعين والمنتجين»، فيما ادّعى جيش الاحتلال أن «هذه مسألة من اختصاص الشرطة» في محاولة للتنصل من المسؤولية.

يكشف هذا التقرير عن تناقض صارخ بين الخطاب الإسرائيلي الرسمي حول «الالتزام بإدخال المساعدات» وبين الواقع الميداني الذي تعترف به الصحافة العبرية ذاتها. فالقيود «الأمنية» المزعومة تتحول في الممارسة إلى أداة لخنق الحياة اليومية، بينما يستفيد وسطاء ومنظمات إجرامية من منظومة الاحتكار والفساد التي أوجدها الاحتلال.

والأكثر دلالة أن الاحتلال يُقرّ بعلمه بهذه الظواهر لكنه «يميل إلى غض الطرف»، ما يعني أن المنظومة برمتها — من القيود الاعتباطية إلى الاحتكار إلى تجارة التصاريح — تعمل بتواطؤ مباشر أو غير مباشر من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بينما يدفع الفلسطينيون في غزة الثمن الأفدح.