النجاح الإخباري - أكد رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد مصطفى أن تحديث الاستراتيجية الوطنية الشاملة للتشغيل يشكّل أولوية وطنية في المرحلة المقبلة، بهدف خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التعافي والنمو، في ظل التحديات غير المسبوقة التي يواجهها شعبنا، وعلى رأسها آثار العدوان والحصار وتعطّل سوق العمل.
جاء ذلك خلال كلمته في إطلاق منصة مواءمة فرص العمل، والتي تهدف إلى الربط بين التكنولوجيا وسوق العمل، وتحسين الوصول إلى فرص التشغيل، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة لدعم رسم السياسات الوطنية الخاصة بسوق العمل.
وقال مصطفى إن المنصة تمثل خطوة مهمة ضمن مسار حكومي أوسع لإعادة تنظيم سوق العمل وتطوير السياسات المرتبطة به، مؤكداً أن العمل لم يعد مجرد قضية تقنية، بل جزء أساس من معركة التعافي الاقتصادي وبناء بيئة حاضنة لخلق الوظائف، وحماية حقوق العمال، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية.
وأشار رئيس الوزراء إلى الواقع الصعب الذي يعيشه سوق العمل الفلسطيني، موضحاً أن أكثر من 150 ألف عامل فلسطيني لم يتمكنوا من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر منذ أكثر من سنتين، ما تسبب بخسائر تتجاوز 5 مليارات دولار سنوياً، بينها تحويلات مالية عبر البنوك كانت تزيد على 4 مليارات دولار. وأضاف أن فقدان معظم القوة العاملة لعملها في قطاع غزة أدى إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 550 ألف شخص خارج سوق العمل.
وأكد مصطفى أن إعادة الاقتصاد الوطني إلى مستويات ما قبل عامين تتطلب تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي لا يقل عن 10% سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، مشدداً على ضرورة تحديث الاستراتيجية الوطنية للتشغيل وتوجيه الاقتصاد نحو مسار الاعتماد على الذات، بالشراكة مع القطاع الخاص وكافة الأطراف ذات العلاقة.
وفي الإطار السياسي والدولي، أوضح رئيس الوزراء أن الحراك الدولي المتزايد الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، والاعتراف المتنامي بدولة فلسطين، إلى جانب الجهود الدبلوماسية لإيقاف العدوان على غزة والضفة، تشكل فرصة حقيقية لإعادة صياغة معالم الاقتصاد الوطني، وتحويل الإنجازات السياسية إلى مكاسب ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين.
وعن سبل توفير فرص العمل، قال مصطفى إن ذلك يتحقق من خلال إعادة بناء بنية الاقتصاد الوطني ليصبح اقتصاداً منتجاً، قادراً على استيعاب العمالة والخريجين وخلق قيمة مضافة، بالإضافة إلى تمكين القطاع الخاص، وتحرير طاقات الشباب والرياديين، وتوسيع الشراكات مع الأسواق العربية والإسلامية والدولية.
وأكد أن إعمار غزة يجب أن يشكل محركاً رئيسياً للتشغيل في شقي الوطن، مشيراً إلى ضرورة تنفيذه وفق رؤية تنموية تتجاوز الإغاثة، وتسهم في توطين الخبرات الهندسية والإنشائية وبناء قدرات فلسطينية قادرة على تنفيذ مشاريع تنموية مستدامة.
وفيما يتعلق بالاقتصاد الرقمي والأخضر، أشار رئيس الوزراء إلى أن هذين القطاعين يمثلان ركيزة أساسية لمستقبل الاقتصاد الفلسطيني، حيث يتيح الاقتصاد الرقمي مجالات واسعة لا يستطيع الاحتلال تقييدها، بينما يسهم الاقتصاد الأخضر في توفير فرص عمل مستدامة في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الموارد، والتكنولوجيا النظيفة، وحلول المياه والابتكار البيئي.
وحول مستقبل العمل داخل إسرائيل، قال مصطفى إن هذا الخيار غير مؤكد على المدى القصير، مشدداً على ضرورة ألا يكون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، مع التأكيد على حقوق العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلي، والعمل بشكل تدريجي على تقليل الاعتماد عليه، وإعادة توجيه العمالة نحو الاقتصاد الوطني وبناء علاقات اقتصادية متوازنة مع دول الجوار.
وأشار إلى أن فلسطين تستورد سنوياً نحو 2 مليار شيكل من إسرائيل في خدمات أساسية، إضافة إلى 2.5 مليار شيكل من دول أخرى، مؤكداً ضرورة تحويل جزء كبير من هذه الواردات إلى إنتاج وطني لتعزيز التشغيل وتقوية الاقتصاد المحلي.
وعن آفاق السوق العربي، أكد رئيس الوزراء أنه يمثل الامتداد الطبيعي للاقتصاد الفلسطيني وقادراً على خلق فرص تصدير واستثمار كبيرة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات والتعليم والصحة، داعياً إلى رفع جودة المنتج الوطني وتعزيز التعليم وإدخال التكنولوجيا في الإنتاج، وبناء قدرات تنافسية حقيقية.
وفي ملف التعليم، أقرّ مصطفى بأن جودة النظام التعليمي تحتاج إلى تطوير لتلبية احتياجات المستقبل، خصوصاً في مجالات الاقتصاد الرقمي والخدمات المهنية، داعياً إلى إعادة هندسة التعليم ليقوم على الابتكار والتطبيق والبحث العلمي، وتعزيز الربط بين الجامعات وسوق العمل، وإعادة تعريف دور المعاهد التقنية ومراكز الابتكار.
وبشأن الاستثمار، أكد رئيس الوزراء أن الحكومة حققت تقدماً كبيراً في توفير بيئة تشريعية وتنظيمية جاذبة، وتسهيل إجراءات تأسيس المشاريع، وتطوير مسارات محفزة للاستثمار، إلى جانب تنفيذ برنامج البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، مع مواصلة العمل لتعزيز الشفافية والإصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد وتمكين الرقابة والمساءلة.
وفي ختام كلمته، شدد مصطفى على أن تحديث الاستراتيجية الوطنية لخلق فرص العمل يمثل برنامجاً وطنياً ذا أبعاد سيادية وتنموية واجتماعية، يسهم في العدالة الاجتماعية والإصلاح المؤسسي وإعادة الإعمار وتمكين الإنسان الفلسطيني.
وأكد أن القطاع الخاص شريك أساسي في هذا المسار بوصفه المحرك الرئيسي للتشغيل والاستثمار والابتكار، مشيداً بجهود وزارة العمل وشركائها، خاصة منظمة Enabel، في تنفيذ برنامج منصة مواءمة فرص العمل، مؤكداً أن الحكومة ماضية في بناء بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً وقوة، أساسها الإنسان الفلسطيني وإبداعه وقدرته على العمل.