النجاح - بعد سبعة و عشرين عاما على توقيع اتفاقية اوسلو، و ستة و عشرين عاما على اقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، ها قد وصل البحث عن السلام و نهاء الصراع الى نهاياته المحتومة، انطلاقا من طبيعة الصراع و جوهر الاهداف الصهيونية. مؤشرات هذه النهاية الطبيعية المأساوية كانت قد ظهرت مبكرا منذ اغتيال اسحاق رابين، من قبل اليمين الاسرائيلي المتطرف و المتسيد الان على السياسة الاسرائيلية، ثم تأكد  ذلك حين تم تجاوز العام 1999، الموعد المفترض لإقامة الدولة الفلسطينية.

يكرر الرئيس محمود عباس مقولة معبرة حين يردد "رضينا بالهم و الهم ما رضي فينا". يقصد الرئيس حقيقة ان قبول الفلسطينيين بالحلول التي تقررها الشرعية الدولية و تحصر الحقوق الفلسطينية في 22% من ارض فلسطين التاريخية، و بما في ذلك تنفيذ حق العودة، انما يشكل اقصى تنازل يمكن ان يضمن لإسرائيل استقرارا افضل و عمرا اطول. و الحقيقة ان حل الدولتين الذي يقبله على مضد جزء من الشعب الفلسطيني و يرفضه جزء اخر، كان افضل الحلول الممكنة التي تطيل العمر الافتراضي لدولة تقوم على حق مزعوم و وهمي، و لذلك لا يمكنها في اي خال ان تحظى ببقاء دائم.

اليمين الاسرائيلي المسيطر على الحياة السياسية، لم يتوقف يوما عن فرض سياسات على الارض تتناقض من القوانين و القرارات الدولية، و في سياقات مدركة بتنفيذ المخططات و الاهداف الصهيونية التوسعية التي تستبيح و تحتل كل ارض فلسطين التاريخية، و التمدد في المحيط العربي. لقد ابتلي الشعب الفلسطيني على مدار التاريخ فكانت البداية بدولة الانتداب البريطاني، التي اصدرت وعد بلفور و قامت بكل ما يلزم لإقامة دولة اسرائيل عام 1948، و الان يأتي رئيس الدولة الاقوى في العالم حتى الان، ليمنح اسرائيل الحق و القوة الغاشمة لمصادرة ما تبقى من فلسطين.

في كل مرة دولة واحدة باغية تتكفل برعاية المشروع الصهيوني و تتحدى العالم و تفرض على مسار التاريخ تحولات غريبة شاذة، لا يمكن لحركة التاريخ ان تستوعبها، و لذلك فان مصيرها و مزبلة التاريخ كما قال رئيس مجلس الامة الكويتي مرزوق الغانم. على الاغلب فان الادارتين الاسرائيلية و الامريكية تدركان ان ما تضمنته و تهدف اليه الصفقة، لا يحقق سلاما من اي نوع، و انما يشكل وصفة اكيدة للصراع و العنف و الفوضى في المنطقة، لكنها تتوهمان بانهما قادرتين على احتواء ردات الفعل و السيطرة عليها بالقوة الغاشمة.

و براينا فان اسرائيل لا تكتفي بالانجاز الذي تعرضه عليها صفقة ترامب، ذلك ان تنفيذها على ارض الواقع ليس سوى مرحلة اخرى من مراحل بسط السيطرة على كل ما تدعي اسرائيل انها يهودا و السامرة، ان المرحلة اللاحقة فهي طرد الفلسطينيين من ما تبقى من اراض، حتى تكون الضفة و القدس خاليتين من اي وجود فلسطيني. ان المخطط الصهيوني الاساسي يقول ذلك، و يقول ذلك قرار قانون القومية الذي يفترض نقاء الدولة العبرية لليهود فقط. ثمة من يقول ان في كل شر خير، و في اعتقادي ان السياسة الامريكية الاسرائيلية بما تقومان به، انما تعلنان بداية تصحيح مسيرة التاريخ.

المعنى ان اقفال الطريق على رؤية الدولتين، من شأنه ان يفتح على صراع جذي شامل على كل الارض و كل الحقوق، و هو ما يحذر منه عن وعي بعض الاسرائيليين الذين عبروا عن رفضهم او مخاوفهم من هذه السياسة المتهورة و العدمية. لم يحصل في التاريخ ان شعبا بكامله اختفى عن الوجود، لا بسبب اطماع خارجية ولا لأية اسباب داخلية، و الشعب الفلسطيني الموجود نصفه على ارضه سيكون عصيا على الترويض و الهضم و عصيا على المؤامرات مهما بلغت من الوحشية و الظلم.

صحيح ان الاوضاع الفلسطينية و العربية و الاقليمية و الدولية، ليست في احسن احوالها، لكن هذه الاوضاع مؤقتة و الشعب الفلسطيني سيعرف كيف يستعيد وحدته و يعيد بناء صفوفه و قوته لقهر هذه المخططات، و استعادة حقوقه كل حقوقه الوطنية التاريخية. القلعة الاسرائيلية بما تبدو عليه من الخارج و بما تلمك من اسباب و عوامل القوة الغاشمة، تحمل بذور فنائها من داخلها اولا بما انها تقوم على الاحتلال و الظلم و العنصرية و الغاء الاخر، و بما انها لا تستند الى الحق و لانها ايضا تواجه شعبا من نوع خاص، و محيط عربي لا يقبلها حتى لو انها تنجح في اقامة علاقات مع بعض الزعماء المرتجفين الباحثين عن مصالح انظمتهم بما يخالف مصالح مجتمعاتهم.

فضلا عن ذلك ان النظام الدولي يتغير و ان الولايات المتحدة ستغادر عما قريب مكانة الدولة الاقوى و الدولة المهيمنة على النظام العالمي و مصائر الشعوب.