د. مؤيد كمال الحطاب - النجاح - يختلف الناس والمختصين كثيرا حول تحديد مفهوم محدد لمعنى الوطن وتعريف المواطنة، وبعد البحث لم اجد اوضح مما ورد في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتحديد ذلك.

فعندما هاجر رسول االله من مكة الى المدينة روي عنه انه قال في حبه لبلده الام مكة: "ما أطيبك من بلد ، وأحبّك إلىّ! ولولا أن قومك أخرجونى منكِ ما سكنتُ غيرك". والشاهد في تلك الرواية ان رسول الله لم يخفي عشقه لبلده التي نشاء بها، وحبه لها رغم ما عاناه من جحود واهانه. فهو لم يعرف غيره بلده وطنا، ولم يكون له غير ابناء بلده اهلا.
ثم مرت السنون في وطن اخر، هاجر اليه، كان في البداية غربة، ثم ملجاء، ثم وطن. عاش في المدينة فاعجب بثقافتها الجديده، شعر فيها بالحب والكرامة، واغرق بالتقدير والامتنان بعد ان نال في بلده الام "مكة" ما نال من نكران وخذلان.

 

الى ان عاد فاتحا الى بلده، فابتسم لجمال مكة وازقتها، وتنفس ريح وطنه الام، وتذكر طفولته، وامه وجده، وبيته وزوجه واهله، ففرح بالرجوع من وطنه الثاني الى وطنه الاول. فظن الانصار انه سيمكث الان بين قومه وعشيرته، وحزنوا لاحتمال فقدانهم رسول الله بينهم. فوصل حزنهم لرسول الله فامر بالاجتماع بهم ثم اراد ان يعلمهم معنى الوطن الحقيقي ومفهوم المواطنة السليمة حين ذكرهم انه جاء الى المدينة لاجاء فنصروه، وكذبه قومه لكنهم صدقوه، وجاء الانصار عائلا فاسوه، وطريدا فاووه، ثم قال: " فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار . وأبناء أبناء الأنصار".

المدينة اصبحت لديه الوطن الحقيقي لان الوطن يعني باختصار شعور المواطن بكرامته الانسانية، وتقديره للعاملين على خدمته باخلاص، ولهذا اختلف مفهوم الوطن والوطنية بعد ان عاش رسول الله بين الانصار، حتى انه تمنى لو كان منهم حقيقة لا مجازا.

 

فالوطن هو موطن ولادة كرامة الانسان وليس موطن ولادة جسده، فكلما ارتقى الوطن بكرامة مواطنيه كلما ازداد انتماء ابناء الوطن لوطنهم، وتعمق مفهوم المواطنة لديهم.

* كاتب وباحث فلسطيني، محاضر في كلية القانون