النجاح - طالعتنا بعض المواقع والمدونات التي بات يُعرف عنها المعارضة من أجل المعارضة والتشكيك ومن أجل التشكيك، بافتراضات وتهيؤات وأقاويل بشأن حادثة التفجير التي تعرض لها موكب رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله في قطاع غزة، بل واتسع خيال البعض إلى حد التخمين بأن من قام بالتفجير جهات أمنية تابعة لحكومة الوفاق!، مدللين على ذلك بالقول إن التفجير لم يُسفر عنه سوى أضرار مادية بسيطة بمركبات المرافقة الخلفية، ومستغربين من رباطة الجأش التي أظهرها رئيس الوزراء بُعيد الانفجار، حيث واصل مسيره لحضور حفل تدشين افتتاح محطة التنقية، وما أظهره من هدوء وثقة وحسم خلال الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة.

أستغرب حقيقةً تلك الإدعاءات ولا أرغب بالخوض فيها حتى لا أكون عاملاً مساعداً في زيادة الفرقة وشق الصف الوطني، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة في مواجهة المؤامرات التي تستهدف قضيتنا برمتها وليس فصيلاً أو تياراً دون غيره. وعليه، فإنني أذهب بحسن النوايا، وألتمس العذر لهؤلاء بعدم المعرفة بخفايا الأمور وتفاصيلها الدقيقة، وعلى ما يبدو، كان حرياً بالإعلام الرسمي والحكومي أن يُساهم بشكل أكبر في تعميم صور مركبتي المرافقة والأضرار الجسيمة التي لحقت بهما، وكذلك الأذى الذي لحق بإحدى السيارات المصفحة. بحمد الله، لم يكن هنالك ضحايا وإصابات جسيمة؛ وإلا لدخل شعبنا وقضيتنا في دوامة دم لا نهايةً مرجوة لها، حيث لا يمكن لمن يشاهد الأضرار التي لحقت بمركبتي المرافقة أن يصدق أن أحداً لم يقتل في حادثة التفجير، ولكنها إرادة الله ورحمته بنا وبقضيتنا. فهل كان لا بد من أن نفقد أحداً ليصدق هؤلاء حادثة التفجير؟، مع أن مقتل أحد أفراد الحراسة أو الوفد المرافق ما كان ليكون أقل أهميةً من مقتل أو إصابة رئيس الوزراء أو رئيس المخابرات، لا قدر الله.

أما عن رباطة جأش رئيس الوزراء في هذا الموقف، وما أظهره من هدوء وصلابة، وتماسك وإتزان، وحسم في خطابه القصير البليغ، فهذا أمرٌ لا يعرفه إلا من عمل بقربٍ من ذلك الرجل، ويتزاحم في ذهني مشاهد عديدة تؤكدها، وأقتصر على ذكر أحداها إبان الانتفاضة الثانية التي عانت خلالها نابلس من حالة أمنية يرثى لها، لم يكن يأمن المواطن فيها على نفسه وعياله وماله. فقد استهدفت إسرائيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالقتل والاعتقال والتدمير؛ لتضعف إمكانيات قوى الأمن في توفير الأمن والأمان للمواطن النابلسي ومؤسساته، وعلت أصوات البلطجة ورجالاتها، وتراجع دور قيادات المدينة الوطنية والعائلية.

أجواءٌ لم يكن معها من اليُسر بمكان إدارة أي من مؤسسات المدينة، فكيف إذا تعلق الأمر بكبرى جامعات الوطن؛ جامعة النجاح الوطنية بمختلف مكوناتها وتداخلتها وتناقضاتها الطلابية والفصائلية والمجتمعية والنقابية؟. أذكر آنذاك أن إحدى الكتل الطلابية توجهت لإدارة الجامعة بطلب إحياء حفل فني وطني ملتزم يهدف إلى بث روح الأمل والتفاؤل في نفوس الطلبة، ويدعم استمرار المسيرة التعليمية، يُحيه فنان وطني شاب، ووافقت إدارة الجامعة على تنظيمه، لتنهال بعدها التهديدات والضغوطات من قبل جهات عدة، مطالبة بإلغاء الحفل، متحججةً بكآبة الجو العام في المدينة، وسوء الظروف الأمنية. إيمان رئيس الجامعة حين ذاك برسالة الحفل، جعله يتمسك بإقامته والسير قُدماً بترتيبات الإعداد له في الحرم الجامعي القديم، وفي يوم الحفل تصدر الحضور.

وبعد انتهائه أراد الفنان المغادرة إلى نُزله في فندق القصر الذي يقع قريباً، وحالت الجمهرة خارج أسوار الجامعة دون ذلك، وأُطلقت زخات من العيارات النارية من قبل مسلحين، في حالة شكلت تهديداً لسلامة الفنان، فما كان من رئيس الجامعة إلا أن رافقه شخصياً مشياً على الأقدام، ولحق بهما جمعٌ غفير من موظفي الجامعة والطلبة، في موقفٍ هام كان له كبير الأثر المستقبلي في الحفاظ على إستقلالية القرار داخل الجامعة من أي تدخلات خارجية، وظهر فيه مدى عزيمة الرجل، وصلابته، وقوة إرادته، والقدر العالي الذي يتمتع به من الهدوء والاتزان، والقدرة على اتخاذ القرار في أحلك الأوقات.

ذلك هو رامي الحمد الله، رئيس الوزراء لمن لا يعرفه؛ إنسانٌ صلبٌ في مواقفه التي يؤمن بها، ويقاتل بشراسة من أجلها، يحذوه إيمان مطلق بقضاء الله وقدره. وعودةً على بدء، لم تنقطع التهديدات لرئيس الوزراء ووزارئه لثنيهم عن الذهاب إلى غزة، ولم يمنعهم ذلك عن القيام بواجباتهم تجاه أبناء شعبهم كلٌ في مجال اختصاصه رغم الظروف الصعبة والواقع المعقد، بيد أن ذلك يتطلب من كل الحريصين أو يدعون الحرص على الوطن ومصالحه العليا أن يركزوا في أفعالهم وكتاباتهم وآرائهم على سبل السير قُدماً في تفعيل ملف المصالحة والعمل على تحقيقها واقعاً ملموساً يلمسه المواطن، خاصة الغزي الذي يعاني الكثير.

إن التشكيك بحقيقة الحادثة أو من يقف واراءها لن يخدم هذا الغرض، وإنما يجب أخذ العبر والكشف عن الجناة وتقديمهم للعدالة في أقرب وقت، لإغلاق هذا الملف سريعاً والانشغال بالهم الوطني الجامع، ومن هذا المنطلق كان حديث رئيس الوزراء عن الحادثة في لقاءاته بُعيدها مقتضباً، مُركزاً على خطاه المستقبلية في تجذير خطى المصالحة التي لا عودة عنها إلى الوراء أبداً، وكأن الحادثة زادته تحدياً وإصراراً على تحقيق رسالة الوحدة الوطنية السامية التي يؤمن بها، منطلقاً من قوله تعالى:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).