وكالات - النجاح الإخباري - في تطور خطير يُنذر بتصعيد غير مسبوق في منظومة القمع الإسرائيلية، كشفت القناة 13 الإسرائيلية عن مساعٍ جدية لتحويل قانون الإعدام من نص تشريعي إلى واقع تنفيذي. فبعد أن ظلّ هذا القانون حبيساً الأدراج لعقود، تشير المعطيات الجديدة إلى أن مصلحة السجون الإسرائيلية باشرت فعلياً في بناء البنية اللوجستية والتنظيمية اللازمة لإعدام أسرى فلسطينيين، في خطوة تُمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لحياة مئات المعتقلين.
المُخطط الذي كشفت عنه القناة الإسرائيلية يحمل في تفاصيله ملامح آلة قتل ممنهجة. فقد أطلقت مصلحة السجون على المشروع اسم "الجرين مايل الإسرائيلي"، في إشارة واضحة إلى ممرات الموت في السجون الأميركية، ما يعكس استلهاماً واعياً لأبشع ممارسات منظومات القمع الغربية.
يتضمن المخطط إنشاء مجمّع معزول بالكامل، مُصمم خصيصاً لتنفيذ أحكام الإعدام بعيداً عن أعين العالم وبمعزل تام عن بقية الأسرى، في محاولة لإضفاء طابع "مؤسساتي" على جريمة القتل المُمنهج. تشمل الاستعدادات تفاصيل دقيقة تكشف عن جدية التحضيرات، فطريقة التنفيذ المُقررة هي الشنق، وستتم عبر آلية مُعقدة يشارك فيها ثلاثة سجانين يضغطون على أزرة التشغيل بشكل متزامن، في محاولة لتوزيع "المسؤولية الأخلاقية" عن القتل وتخفيف وطأتها على الجلادين. هذا التصميم المُتعمد يكشف عن وعي إسرائيلي بفظاعة الفعل، لكنه وعي لا يردع بل يبحث عن آليات للتنصل من ثقل الجريمة. اختيار متطوعين للقيام بدور الجلادين، وتأهيلهم "خصيصاً" لهذه المهمة، يكشف عن محاولة بناء ثقافة مؤسساتية للقتل داخل مصلحة السجون، حيث يخضع هؤلاء المتطوعون لتدريب خاص يهدف إلى تجريدهم من أي تردد أخلاقي وتحويلهم إلى أدوات طيّعة في آلة الإعدام.
الخطورة الحقيقية تكمن في الطبيعة التدريجية للمخطط. فالسلطات الإسرائيلية لا تُخطط لتنفيذ إعدامات جماعية فورية، بل تتبنى استراتيجية أكثر دهاءً تبدأ بـ"فئة محددة" من الأسرى، ثم تتوسع تدريجياً لتشمل "مدانين آخرين من الضفة الغربية". هذا النهج التصعيدي المُدرج يهدف إلى تجنب صدمة دولية واحدة كبرى، واستبدالها بعملية تطبيع تدريجي للإعدامات، بحيث يصبح قتل الأسرى الفلسطينيين جزءاً "اعتيادياً" من المنظومة القضائية الإسرائيلية.
المدة الزمنية المُحددة لتنفيذ الأحكام تكشف عن نية إلغاء أي فرصة حقيقية للطعن أو التدخل الدولي، فتسعون يوماً فقط تفصل بين صدور الحكم النهائي والتنفيذ، وهي مدة قصيرة بشكل غير مسبوق في القضايا التي تنطوي على عقوبة الإعدام، حتى في الدول التي تُطبقها. هذا الإصرار على السرعة يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن أي تأخير قد يُتيح تدخلاً دولياً أو ضغوطاً حقوقية قد تُعطّل المشروع.
من المنظور القانوني الدولي، يُمثل هذا المشروع انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر إعدام المدنيين في الأراضي المحتلة. فالأسرى الفلسطينيون، بموجب القانون الدولي، هم محميون تحت قوانين الاحتلال، والأحكام الصادرة بحقهم من محاكم عسكرية إسرائيلية تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير المحاكمة العادلة. تنفيذ إعدامات في هذا السياق لا يُشكل فقط انتهاكاً للقانون الدولي، بل يرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. هذه المحاكم العسكرية التي تُصدر الأحكام هي ذاتها التي توثّق المنظمات الحقوقية الدولية انتهاكاتها المستمرة، من انتزاع اعترافات تحت التعذيب، إلى الاعتماد على شهادات أجهزة أمنية سرية لا تخضع لأي فحص أو مساءلة، إلى حرمان المعتقلين من حقهم في دفاع فعلي ومحاكمة عادلة.
على المستوى الإنساني، تُمثل هذه الخطوة تصعيداً نوعياً في سياسة القتل الممنهج التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. فبعد عقود من الاغتيالات الميدانية، والقتل خارج نطاق القانون، والإهمال الطبي المتعمد في السجون، تسعى الآن لإضفاء "شرعية قانونية" على القتل عبر منظومة قضائية صورية. الفارق بين الاغتيالات الميدانية والإعدامات "القانونية" هو فارق شكلي فقط، لكنه يحمل دلالة خطيرة تتمثل في محاولة تطبيع القتل وجعله جزءاً من النظام القضائي "الشرعي"، ما يُسهّل توسيعه مستقبلاً ليشمل فئات أوسع من الفلسطينيين تحت ذرائع مختلفة.
لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق السياسي الأوسع في إسرائيل، حيث تتصاعد الأصوات اليمينية المتطرفة المطالبة بـ"حلول حاسمة" ضد الفلسطينيين. قانون الإعدام، الذي كان محل جدل حتى داخل المؤسسة الإسرائيلية، يبدو أنه وجد مساحة للتطبيق في ظل حكومة تضم أكثر العناصر تطرفاً في تاريخ إسرائيل. الترويج للمشروع باعتباره "رادعاً" يفتقر إلى أي أساس واقعي، فتاريخ الصراع يُثبت أن العنف الإسرائيلي، مهما بلغت وحشيته، لم يُحقق الردع المزعوم بل عمّق الجراح وأطال أمد المواجهة. الاسم المُختار للمشروع، "الجرين مايل"، ليس مجرد تسمية عشوائية، بل يحمل دلالات رمزية عميقة.فهو يستحضر صورة الممر الأخضر الذي يسلكه المحكوم عليهم بالإعدام في طريقهم إلى حتفهم، لكنه في السياق الفلسطيني يكتسب معنىً أكثر قتامة باعتباره "ممر الشهادة" الذي سيحوّل الأسرى إلى رموز للمقاومة ويُخلّد قضيتهم أمام العالم.
إذا تم تنفيذ هذا المخطط فعلياً، فإننا أمام نقطة تحول تاريخية في طبيعة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فالإعدام الأول سيفتح الباب أمام سلسلة لا نهائية من الإعدامات، خاصة في ظل منظومة قضائية عسكرية إسرائيلية تُصدر أحكاماً بناءً على اعترافات مُنتزعة تحت التعذيب وشهادات أجهزة أمنية لا تخضع لأي رقابة فعلية. المئات من الأسرى الذين يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد أو لعشرات السنين قد يجدون أنفسهم فجأة على قوائم الإعدام في ظل مناخ سياسي يُشجع على التصعيد. الصمت الدولي المُتوقع، أو الاكتفاء بإدانات خجولة، سيُشكل ضوءاً أخضر لاستمرار المشروع وتوسعه. فالتجربة التاريخية تُثبت أن إسرائيل لا تتراجع أمام الإدانات اللفظية، بل فقط أمام ضغوط حقيقية وعواقب ملموسة. في غياب موقف دولي حازم، يشمل عقوبات فعلية وملاحقة قضائية للمسؤولين، سيتحول "الجرين مايل الإسرائيلي" من مشروع إلى واقع، ومن واقع إلى منظومة دائمة للقتل الممنهج.
تكشف هذه التطورات عن حقيقة مُرّة، وهي أن المنظومة الدولية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، مستعدة للتغاضي عن أبشع الجرائم عندما يكون الضحايا فلسطينيين والجلاد إسرائيلياً. لكن التاريخ يُعلّمنا أيضاً أن الشعب الفلسطيني، الذي قدّم عشرات الآلاف من الشهداء على مدار عقود، لن يُكسر بالإعدامات كما لم يُكسر بالاغتيالات والحصار والتهجير. كل شهيد سيُضاف إلى سجل المقاومة، وكل إعدام سيكون شهادة إضافية على وحشية الاحتلال وعدالة القضية الفلسطينية. السؤال الذي يُواجه العالم اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل ستُنفذ هذا المخطط، بل ما إذا كان العالم سيقف متفرجاً وهي تفعل. الإجابة على هذا السؤال ستُحدد ليس فقط مصير الأسرى الفلسطينيين، بل مصير المنظومة الأخلاقية والقانونية الدولية برمتها، وما إذا كانت لا تزال تحمل أي معنى حقيقي أم أنها مجرد أداة انتقائية تُطبّق على الضعفاء وتُرفع عن الأقوياء