وكالات - النجاح الإخباري - دخلت إيران مرحلة التهدئة مثقلة باستنزاف واسع طال قدراتها العسكرية وبنيتها الاستراتيجية، بعدما تكبّدت خسائر بارزة شملت تراجعًا في ترسانتها الصاروخية، وأضرارًا واسعة في بنيتها العسكرية، إلى جانب تآكل دور شبكتها من الوكلاء في المنطقة.
ضربات للترسانة الصاروخية
أشارت تقديرات استخباراتية أميركية نهاية الشهر الماضي إلى أن الولايات المتحدة تمكنت من تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، مع استمرار الغموض بشأن مصير جزء كبير من القدرات المتبقية.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى وكالة "رويترز"، فإن قسمًا إضافيًا من الصواريخ يُرجّح أنه تضرر أو دُمّر أو دُفن داخل أنفاق ومنشآت تحت الأرض نتيجة الضربات، فيما لا يزال جزء من هذه القدرات قائمًا، مع إمكانية استعادة بعضها بعد توقف القتال.
وضع مشابه للمسيّرات
تشير التقديرات إلى أن الوضع ينطبق بشكل مشابه على برنامج الطائرات المسيّرة، حيث يوجد قدر من التأكيد على تدمير نحو ثلث القدرات، مقابل حالة من عدم الوضوح بشأن البقية.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية قبل أيام أن العمليات العسكرية استهدفت أكثر من 10 آلاف موقع عسكري إيراني منذ بدء الحرب، مشيرة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 66% من منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن، إضافة إلى إغراق نحو 92% من السفن الحربية الكبيرة التابعة للبحرية الإيرانية.
ورغم حجم الضربات، يواجه التقييم الأميركي صعوبات كبيرة، أبرزها عدم وضوح حجم المخزون الصاروخي الإيراني قبل الحرب، إلى جانب انتشار الصواريخ داخل شبكة واسعة من الأنفاق والتحصينات تحت الأرض، ما يجعل تحديد حجم الخسائر بدقة أمرًا معقدًا.
وأشار مسؤول أميركي إلى أن الوصول إلى رقم دقيق قد يكون مستحيلاً، في ظل طبيعة البرنامج الإيراني وانتشاره الجغرافي.
وتكشف هذه المعطيات أن الضربات الأميركية الإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أنها لم تؤدِ إلى إنهائها بالكامل، حيث لا تزال طهران تحتفظ بقدرات صاروخية ومسيّرة قابلة للاستخدام، وإن كانت أقل فاعلية وأكثر عرضة للضغط.
البرنامج النووي تحت الأرض
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن جزءًا من البرنامج النووي الإيراني بات داخل منشآت تحت الأرض، في وقت تعتمد فيه عمليات المتابعة الدولية على صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية لرصد هذه المواقع.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام إنه لم يعد يقلق كثيرًا بشأن اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب الذي تخزنه طهران في منشآتها النووية.
وعند سؤاله عن مصير نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يقول المفتشون الدوليون إنه مدفون تحت الأرض في موقعين عسكريين داخل إيران، أوضح ترامب في مقابلة مع وكالة "رويترز" أن الأمر لم يعد مصدر قلق، مضيفًا: "سنظل نراقبه دائمًا عبر الأقمار الصناعية".
ماذا عن الوكلاء؟
تشير تحقيقات نشرتها وكالة "رويترز" إلى أن شبكة الوكلاء التي بنتها إيران على مدى سنوات لم تُظهر اندفاعة متوقعة للدخول في الحرب، رغم التصعيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأظهرت مقابلات أجرتها الوكالة مع مقاتلين ومسؤولين أن هذه الشبكة تعرضت لعملية استنزاف تدريجية، نتيجة اغتيال قيادات بارزة، وتراجع خطوط الإمداد، وفقدان قواعد نفوذ أساسية، خصوصًا في سوريا، ما أدى إلى تآكل التماسك الداخلي لهذه الأذرع.
كما أن عددًا من قادة هذه الفصائل باتوا يفضلون الانخراط في العمل السياسي أو الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية بدلًا من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ما يعكس تحولًا في أولويات هذه الجماعات.
تكشف هذه المعطيات أن إيران دخلت مرحلة التهدئة تحت ضغط خسائر متراكمة طالت قدراتها العسكرية وبرامجها الاستراتيجية وشبكة وكلائها في المنطقة، في وقت لا تزال تحتفظ فيه بقدرات قابلة للاستخدام، ما يبقي المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.