وكالات - النجاح الإخباري - رغم سعيه لفرض سلطة واسعة داخليًا وخارجيًا، اضطرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التراجع مرتين خلال أسبوع واحد، في تطور يعكس حدود قدرته على تجاوز الضوابط الداخلية، واصطدامه بحواجز الواقع السياسي والغضب العام.
ووفق تقرير لشبكة «سي إن إن» الإخبارية، أدرك ترامب في كل من ولاية مينيسوتا وجزيرة غرينلاند أنه ليس بمنأى عن المحاسبة، وأن الائتلافات المعارضة قادرة على تحويل ردود الفعل السلبية إلى ضغط واسع، كما أن أوروبا لن تبقى مكتوفة الأيدي إزاء ما وصفه التقرير بـ«تطاوله».
تراجع داخلي في مينيسوتا
وجاء التراجع الأول في سياق الحملة المتشددة التي أطلقتها إدارة ترامب ضد الهجرة في ولاية مينيسوتا، التي جرى اختيارها كنموذج تجريبي للسياسات الفيدرالية. فبعد مقتل متظاهرين، اضطر البيت الأبيض إلى تخفيف حدة حملته، في ما اعتُبر تصحيحًا لمسار سياسة داخلية رئيسية.
وبحسب «سي إن إن»، كان «الغضب الأخلاقي» الناتج عن الواقع السياسي المحرّك الأساسي لهذا التراجع، مع تصاعد الضغوط إثر انتشار تسجيلات مصورة كشفت تشويه الحقائق من قبل مسؤولين في الإدارة، من بينهم وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم وكبير مسؤولي دوريات الحدود غريغ بوفينو.
وكان هؤلاء المسؤولون قد وصفوا القتلى بأنهم «إرهابيون عنيفون»، رغم الأدلة المخالفة، ولم يحدث التغيير إلا بعد تصاعد الغضب الشعبي، ومقاومة المسؤولين المحليين، وظهور قلق داخل الحزب الجمهوري نفسه.
وفي هذا السياق، أرسل ترامب مسؤول الحدود توم هومان إلى الولاية، في إشارة ضمنية إلى فقدان الثقة في نويم وبوفينو. كما حذّر النائب الجمهوري مايك لولر، الذي يواجه معركة إعادة انتخاب صعبة، من أن «أي أميركي لا يجب أن يُقتل في الشوارع».
وانتقد السيناتور تيد كروز أسلوب إدارة ترامب في الخطاب، معتبرًا أنه اتسم بهجوم مفرط، فيما أكد السيناتور بيل كاسيدي أن مصداقية البيت الأبيض باتت على المحك، داعيًا إلى الالتزام بالحقيقة أمام الشعب الأميركي.
ورأت «سي إن إن» أن سلوك ترامب نفسه، لا سيما إساءته الشخصية للضحايا عبر منشورات على منصة «تروث سوشيال» وتحذيره مما سماه «يوم الحساب»، حوّل ملف الهجرة من نقطة قوة سياسية إلى عامل ضعف.
غرينلاند… تعقيد خارجي جديد
أما التراجع الثاني، فجاء بعد أقل من أسبوع، في إطار محاولة ترامب إظهار نفوذه الخارجي عبر السعي لانتزاع غرينلاند من أوروبا. إلا أن هذه المناورة، التي استندت إلى التهديد والضغط، فشلت أمام مقاومة دولية موحدة وردود فعل اقتصادية متزايدة.
وتضررت ثقة حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالولايات المتحدة، ما دفع ترامب إلى التراجع، في مؤشر على حدود نفوذه الجيوسياسي، مع تصاعد ردود فعل حادة من قادة دوليين.
ووصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تصريحات ترامب بشأن «انسحاب قوات الناتو من خطوط المواجهة في أفغانستان» بأنها «مروعة بصراحة»، قبل أن ينشر ترامب لاحقًا منشورًا أشاد فيه بـ457 قتيلاً بريطانيًا، في اعتراف ضمني نادر بالخطأ.
كما أعلنت ديلسي رودريغيز، زعيمة النظام الفنزويلي، أنها «اكتفت» من محاولات ترامب «الإمبريالية» لإدارة بلادها.
وبحسب التقرير، فإن هذه المقاومة غير المألوفة من حلفاء الناتو، الذين اعتادوا سابقًا اتباع سياسة أكثر مرونة، دفعت بعض الدول للبحث عن شراكات بديلة، من بينها دراسة كندا اتفاقية للسيارات الكهربائية مع الصين، ما يهدد المصالح الأميركية. كما أسهمت ردود فعل الأسواق المالية القلقة في الضغط على ترامب للتراجع مجددًا.
ورغم أن التطورات الأخيرة لم تؤدِ إلى سقوط ضحايا كما حدث في مينيسوتا، إلا أنها، وفق «سي إن إن»، أضعفت مكانة الولايات المتحدة دوليًا، وأظهرت أن الطموحات الإقليمية قد تنقلب على أصحابها.