النجاح - رأت مصادر سياسيّة وأمنيّة وُصفت بأنّها رفيعة المُستوى في تل أبيب، رأت أنّ انسحاب القوات الروسيّة، حتى لو كان كبيرًا وبدأ في وقتٍ قريبٍ، لن يُغيّر في مسألة تدخل إيران العسكري في سورية. وتابعت قائلةً، كما أفادت صحيفة (هآرتس) العبريّة أنّ فرضية العمل الإسرائيليّة والأمريكيّة هي أنّ إيران ستسعى لاستغلال الانسحاب الروسيّ من أجل زيادة وجودها في سورية، عبر زيادة القواعد العسكريّة وإرسال العديد من المقاتلين.

وشدّدّت المصادر عينها على أنّ هذا هو ليس السيناريو الوحيد المحتمل.، معتبرةً أنّه لا تدور بين روسيا وإيران لعبة الرابح يربح كل شيء، والخاسر يخسر كل شيء (Zero sum game) في سوريّة، وهما لا تتنافسان للحصول على قلب الأسد، الذي يعتمد اعتمادًا مطلقًا عليهما، بحسب تعبيرها.

ولفتت المصادر إلى أنّ إعلان بوتن لم يتطرق إلى شروط انسحاب القوات، وحجم الانسحاب وموعده، وبناءً على ذلك، يُمكن التقدير أنّه لا ينوي التخلّي تمامًا عن الساحة السوريّة، بل تقليص الوجود الروسي جزئيًا، أمّا المناطق الحساسّة، مثل المناطق الأمنيّة والتحركات على الحدود الشرقيّة السوريّة، فسيبقى العمل فيها كالمعتاد.

مُضافًا إلى ما ذُكر أعلاه، أشارت المصادر الإسرائيليّة إلى أنّه من المتوقّع أنْ ينعقد، اليوم الخميس، في أستانة عاصمة كازاخستان، اجتماع بشأن المناطق الأمنية، للبحث في ترتيبات الرقابة، وتوزيع المسؤوليات بين روسيا وإيران وتركيا. وفي ضوء إعلان بوتين، فإنّ هذا الاجتماع يجب أنْ يُثير اهتمام إسرائيل بصورةٍ كبيرةٍ، لأنّها تريد أن تعرف هل سينجح الرئيس الروسي في إقناع الإيرانيين بإبعاد قواتهم  في شرق سورية وجنوبها إلى ما بعد خط 25 كيلومتراً؟. وتنتظر تركيا، من جهتها، الحصول على موافقة روسية على السماح لقواتها بتعميق سيطرتها على شمال سوريّة، من أجل كبح توسع منطقة السيطرة الكرديّة، وهو موضوع من المنتظر مناقشته أيضاَ في أستانه.

وأوضحت المصادر أيضًا، تابعت الصحيفة العبريّة، أنّ تعهد بوتن بضرب التنظيمات الإرهابيّة إذا رفعت رأسها يُوضح أنّه لا ينوي التخلّي عن الساحة العسكريّة، أوْ تغيير الإستراتيجيّة التي انتهجها حتى الآن، والتي غيّرت موازين القوى لمصلحة الأسد؛ لكن انسحابًا، ولو جزئيًا، من شأنه أنْ يعطيه شرعيّة المطالبة بمغادرة جميع القوات الأجنبية في سوريّة، وهو يقصد بصورةٍ أساسيّةٍ القوات الأمريكيّة والتركيّة، التي لا تحظى بشرعية مثل القوات الروسية والإيرانية التي دعاها الأسد، كما أوضح قبل أسبوعين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

ووفقًا للمصادر في تل أبيب، يُمكن أنْ نجد إثباتًا على ذلك في الصيغة التي اختارها بوتين ومفادها أنّ القوات الروسيّة نجحت في القضاء على أغلبية قوات تنظيم داعش، وليس للولايات المتحدة، التي بررت تدخلها العسكري في سوريّة بمحاربة تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، ما تفعله في سورية.

ولفتت المصادر إلى أنّ نجاح روسيا، الذي سيلعب بالتأكيد، دورًا مهمًا في معركة الرئاسة الانتخابيّة التي ستجري في روسيا في آذار (مارس) المقبل، لم يبرز فقط بالطريقة التي تغيّرت فيها موازين القوى لمصلحة الأسد، بل هو يبرز خصوصًا في طرد الولايات المتحدّة من المنطقة، وفي إدارة النسيج المُعقّد لوقف إطلاق النار المحليّ الذي سمح في النهاية بإقامة مناطق أمنيّة، لكن من الصعب صمود هذا الإنجاز من دون مظلّةٍ عسكريّةٍ تحرص، من جهة، على منع الهجمات على المناطق الأمنيّة، وتُواصل، من جهة أُخرى، محاربة معارضي النظام المعتبرين تنظيمات إرهابية، ومن أجل تحقيق هذين الهدفين، فالنظام بحاجةٍ إلى قوّاتٍ روسيّةٍ كبيرةٍ، وبصورةٍ خاصّةٍ هو بحاجةٍ إلى سلاح الجوّ الروسيّ.

ورأت المصادر في تل أبيب أيضًا أنّه في أيّ اتفاقٍ سياسيٍّ بشأن مستقبل سوريّة، سيظل وضع الـ”طاغية السوريّ” مضمونًا في المدى القصير، والسؤال المطروح كيف سيجري تقاسم الغنائم الاقتصاديّة والسياسيّة بين روسيا وإيران، مؤكّدةً في الوقت عينه أنّه ليس في استطاعة أيّ واحدةٍ منها أن تزيح الثانية من الساحة، وهناك مصلحة للدولتين في تحقيق استقرار سورية ومنع قيام دولة كانتونات، وتحقيق هذه المصلحة، شدّدّت المصادر ذاتها، منوط بالاتفاقات التي سيجري التوصل إليها بينهما، وليس بصراعٍ عسكريٍّ على السيطرة الجغرافيّة التي ستجبرهما على الاحتفاظ بقوات في سورية وقتًا طويلاً، وهذا أمر لا يعني الدولتين اللتين تحاولان أيضًا تحقيق سيطرةٍ مهمةٍ في دول أُخرى بوسائل اقتصاديّة وسياسيّة، وليس بالضرورة عسكريّة، على حدّ تعبير المصادر الرفيعة في تل أبيب.

(رأي اليوم)