وكالات - النجاح - كثير من الأمهات يلجأن إلى أدوية علاج السعال أو الحساسية ، كالهيستامين أو مسكنات الألم للسيطرة على النشاط المفرط لأطفالهن وكثرة بكائهم ، أو إخضاعهم للنوم في أوقات معينة ، كأوقات الدراسة لضمان استيقاظهم مبكراً للمدرسة ، أو للجلوس بهدوء خلال الرحلات الجوية في الطائرة ، أو حتى بغرض التقليل من حركتهم الكثيرة ، لمجرد نيل بعض الوقت من الهدوء ، ذلك أنَّ للأدوية المنومة أثر في إحداث حالة من ارتخاء أو نعاس للأطفال، ومما يزيد من خطورة الأمر ، أنها أصبحت ظاهرة متكررة، حيث يتناقل عدد من الأمهات تجارب بعضهن ، دون دراية بما يمكن أن تحدثه هذه الأدوية التي تعطى من دون دواع طبية أو تحت إشراف طبيب ، أو من دون مراعاة اختلاف الظروف الصحية ما بين طفل وآخر .

الأطباء حذروا من هذه الممارسات الخطأ، التي تجهل الأمهات خلالها حجم المشكلة الصحية التي قد يتسببن بها لأطفالهن، وقد تتفاقم لو استمرت على المدى البعيد، فقد تحدث مضاعفات عدّة في الجهاز الهضمي أو العصبي، وخصوصاً في ظل اختلاف كل طفل عن الآخر، واختلاف المراحل العمرية والجرعات المناسبة، وأمور عدة يحددها الطبيب المتخصص الذي يجب استشارته أولاً. وبين اختلاف آراء الأمهات والأطباء في هذا الموضوع، كان لا بدّ من مناقشة مدى خطورة الاستعمال العشوائي لهذه الأدوية.

استخدامات أخرى

الدكتور جمال الجعبة، رئيس قسم طب الأطفال بمدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي، أوضح أن الأدوية المنومة والمهدئة التي تقدم كثير من الأمهات على إعطائها لأطفالهن، ليست أدوية منومة بالمعنى الحقيقي، لكنها تستعمل في استخدامات أخرى، عدا عن علاج بعض الأمراض أو تسكين بعض الآلام، كاستخدامها في إحداث نعاس وخمول للطفل، لما تتضمنه بعض تأثيراتها الجانبية، وتندرج ضمنها أدوية السعال أو الزكام أو الحساسية، ولا ينصح باستخدامها لمثل هذا الغرض. مشيراً إلى أن الأضرار التي قد تصيب صحة الطفل من هذه الأدوية، قد تكون تأثيراتها مباشرة وسريعة، ومنها الآثار السلبية في الجهاز التنفسي، كإحداث تحسس أو تهيج. وقد تكون غير مباشرة تظهر على المدى البعيد على الكبد أو الكلى والجهاز العصبي والذاكرة للطفل، وقدرته على التعلم مع الاستعمال المتكرر، في حال اعتادت الأم إعطاء أطفالها جرعات منها، دون مراجعة طبيب.


وأضاف: بعض الأدوية لا يمكن إعطاؤها للأطفال قبل 5 سنوات، لأنها قد تسبب له اضطرابات في الجهاز التنفسي، أو ضربات القلب والشعور بالدوار، وباضطرابات في التركيز، لأن بعضها سيسبب النعاس، ومن الممكن أن يصاب الطفل بحساسية من أحد مكوناتها، خاصة وقت النوم ولا يشعر به أحد، لذا على الأمهات أو الآباء، عدم استخدامها من دون استشارة طبيب.

وأشار إلى أن الطفل لو كان دائم الحركة والشغب أو البكاء أو إثارة الضجيج، فإنه يستحسن عرضه على طبيب متخصص، فقد يكون يعاني مشكلة عضوية أو صحية، أو نفسية وسلوكية، لذلك يجب أن يشخص بشكل صحيح، تحت رعاية طبية، لاتباع الطرق الصحيحة في علاجه، عوضاً عن إعطائه أي أدوية مهدئة ومنومة، دون فهم حقيقي لحالته أو احتياجاته. لافتاً إلى أنه مع تكرار إعطاء الطفل هذه الأدوية، قد يقل تأثيرها تدريجياً، مما يضطر الأم إلى إعطاء جرعة أكبر، ظناً منها أنها تتناسب مع حاجة طفلها حتى يستجيب لها.

آثار جانبية خطرة

وقالت الدكتورة نشوى بهاء الدين، أستاذة طب الأطفال ورئيسة وحدة طب الأطفال في أحد مستشفيات أبوظبي: من أكثر الأسئلة التي تصلني من الأمهات، هي مدى إمكانية إعطاء الأطفال الأدوية المنومة للأطفال عند العودة للمدارس، أو عند الرغبة في ترك الطفل في المنزل لينام، والخروج من دونه، أو قضاء وقت خال من الضجيج والبكاء المستمر، أو عند السفر بالطائرة، وأرى عدم وجود ضرورة لمثل هذا الأمر، وعدم اللجوء إلى إعطائه مثل هذه الأدوية، لأن للأدوية المنومة آثاراً جانبية بالغة الخطورة، وقد تؤدي إلى الحساسية الشديدة، وانتفاخات الوجه، وتغيير سلوكات الطفل أثناء النوم وعند استيقاظه، ومع الاستخدام المتكرر ستؤدي إلى إلحاق الضرر بمراكز الجهاز العصبي، كما أنها تحول دون النوم الهادئ والاسترخاء بلا توتر وقلق، وعلى المدى البعيد قد تجعل الطفل يعاني تأخراً في النمو العقلي. كما قد تؤدي إلى ضعف في الشهية، وظهور طنين في الأذن، وتشويش ذهني.
وأشارت إلى أن الأم يجب أن تلجأ إلى بعض الأمور حتى يهدأ طفلها، وإن كان صغيراً ولا يزيد عمره على العامين، كأن يكون هناك حوار بينهما، وأنها تحبه وترغب في أن يظل هادئاً. ويمكن الاستعاضة عن هذه الأدوية في مثل هذا العمر، بإعطاء الطفل رضعة أعشاب، كالبابونج أو الزعتر وهي مهدئات طبيعية. ولو كان الطفل في مراحل عمرية أكبر من ذلك، فعلى الأم محاولة إشغاله، بقراءة قصص الأطفال الهادفة، أو مشاهدة أفلام الكرتون، أو استخدام الألعاب الإلكترونية لمدة تحددها هي، بمعنى أن تشغل وقته وتلفت انتباهه، عبر عدد من الأساليب الصحيحة، فضلاً عن التشجيع والتحفيز، كالوعد بإعطاء مكافأة أو تحقيق أمر ما يحبه، وكلها تؤثر في نفسية الطفل بشكل إيجابي. داعية الأمهات لأن يكنّ صبورات.

ظاهرة متكررة

وقال الدكتور ناصر النواصرة، اختصاصي طب الأسرة: يلجأ كثير من ذوي الأطفال إلى استخدام بعض أدوية الحساسية والمسكّنات، في ظاهرة متكررة بهدف تهدئة الطفل أو تحفيزه على النعاس، وبشكل خاص للأطفال، دون السنتين حتى 6 أعوام، ومنها أدوية الحساسية وشراب (الأليرفين) كونه يحتوي على مادة منومة. كما أن بعض الأسر تعطي هذه الأدوية في حال احتاجت إلى السفر عبر الطائرة، حيث يعطونها للطفل قبل الرحلة تفادياً لحدوث إزعاج، وهنا تزداد خطورة التأثيرات الجانبية للأدوية مع السفر والارتفاع ضمن ضغط جوي معين يمكن له أن يؤثر في الجهاز التنفسي، وبالذات مع الرضّع، والمولودين مبكراً، والذين وزنهم أقل من معدل عمرهم، فضلاً عمن يعانون مشكلات في الرئة كالربو أو التحسس، فقد يكون قاتلاً لهم، وخصوصاً لو زاد الارتفاع على 2000 قدم، حيث يحدث هبوط معدل الأكسجين في الدم والدماغ ما قد يؤدي إلى الوفاة.
وشدد على عدم إعطاء أدوية التحسس التي تحتوي على نسبة من المنومات قبل 6 أعوام، من دون دواع طبية، وفي حال إعطاء الدواء بكمية كبيرة، قد يحدث للأطفال رد فعل عكسي في الجسم، كزيادة معدل النشاط غير الطبيعي، داعياً إلى إعطاء الأدوية فقط في حال اشتكى الطفل من الصداع، أو وجود مشكلة في ضغط الأذن، أو آلام التسنين، أو الربو، أو كما يراه الطبيب مناسباً من الأدوية التي تساعد على تسكين الألم.

تعميم التجربة

وقالت الدكتورة رانيا ديب، اختصاصية أمراض الأطفال في أبوظبي: إن إعطاء الأدوية للأطفال من دون داع أمر غير مستحب، وتوجد نسبة كبيرة من الأمهات اللواتي يلجأن إلى هذه الطريقة للتخلص من الإزعاج الذي يحدثه الطفل، دون إدراك أو وعي بأن استخدام هذه المسكنات بشكل دائم ومستمر وغير مبرر، يعرض الطفل للخطورة الناتجة عن مضار الأدوية وتفاعلاتها وتأثيراتها لمدة طويلة في جميع أجهزه الجسم. وقد ترجع هذه الظاهرة إلى حداثة النساء في الأمومة، ويعد السبب الأكبر والأخطر الذي تقع نسبة كبيرة من الأمهات فيه هو تعميم التجربة، بمعنى أن تأخذ الأم نصيحة صديقتها أو جارتها أو قريبة لها تتبع أسلوباً معيناً مع طفلها، ولم تواجه أي مشكلة من خلاله، لكن ليس بالضرورة كل ما يصلح للغالبية يصلح للجميع، فتعميم التجربة أمر خاطئ، لأن لكل طفل ظروفه الخاصة، وقد يكون للطفل استعداد جيني لأمراض أو حساسية معينة وبالتالي تؤثر فيه هذه الأدوية المسكنة وتتفاعل مع جسمه، أو قد يكون الطفل لديه مرض مزمن يعاني منه أو عيب خلقي، ومع اتباع الأم أموراً كهذه الأمور دون الرجوع للطبيب، فإنها قد تلحق الضرر بطفلها دون أن تعي حجم المشكلة، ظناً منها أن مرة أو بضع مرات أو جرعة صغيرة لا تؤثر في صحة الطفل.

مراجعة طبيب متخصص

وترى الدكتورة زينب الجباس، اختصاصية طب الأطفال في أبوظبي، أن أدوية المسكنات، والأدوية المهدأة، والمستخدمة في علاج الحساسية بشكل محدد، لا تشكل خطورة على صحة الأطفال، إذا استخدمت بغرض تهدئة الطفل، وهي تستخدم بشكل طبيعي وآمن، حتى وإن قل عمره عن العامين. موضحه أنها تعد إحدى الوسائل المستخدمة بكثرة بين الأهل، تفادياً للصراخ والضجيج الذي قد يتسبب به أطفالهم على مدار اليوم، وقالت إنها تستقبل في عيادة الأطفال كثيراً من الأمهات الباحثات عن إجابة عن استفساراتهن بهذا الخصوص، وخصوصاً للراغبات في السفر والرحلات الطويلة.
وأشارت إلى أنه لتحقيق أعلى درجة من الأمان على الطفل، لا بدّ أن يراجع الأهل طبيب الأسرة أو طبيب الأطفال المتخصص، قبل إعطاء الأدوية المهدئة، وخصوصاً للأمهات الجديدات، لتحديد الجرعات التي تناسب عمره، والوقت الذي يجب إعطاؤه هذه الأدوية، التي تتنوع بين الشراب أو التحاميل مسكنات الآلام، ويعرفهن الطبيب بالجرعات التي تناسب عمر الطفل وحجمه. مؤكدة ضرورة زيارة الطبيب المختص، قبل السفر، خصوصاً إذا ما كان الطفل يعاني أمراضاً مزمنه أو أمراضاً وراثية لإمكانية إعطائه الأدوية اللازم استخدامها مع تحديد الجرعات المناسبة.

مؤيدات ومعارضات

«الخليج» التقت عدداً من الأمهات للتعرف إلى أسباب هذه الظاهرة المنتشرة، واستعرضن تجاربهن في هذا الموضوع، منقسمات إلى فريقين، الفريق الأول يرى أن إعطاء الأطفال أدوية تحفز على النعاس أمر طبيعي، وأنهن اعتدن ذلك في ظروف عدة، فيما عارضت أخريات، تخوفاً من المجازفة، حيث قالت ألفت الصفدي: لدي 3 أطفال أعمارهم بين عامين و7 أعوام، ومع التجربة واستخدام كل البدائل، كالأجهزة اللوحية وبعض الألعاب، تبين لي أنه من الصعب أن يلتزم الطفل بهذه البدائل طوال رحلة الطائرة، ما جعلني أفكر بطريقة تمكنهم من النوم في الطائرة، خلال رحلات السفر أو الجلوس بهدوء في مقاعدهم، حيث أخبرتني صديقتي أنها تستخدم أدوية السعال أو مسكنات الآلام للغرض نفسه، فقررت تجربة الأمر، ولم يحدث أي شيء سيئ، والحمد لله، فأنا أعطيهم جرعات صغيرة غير مبالغ بها.
فيما ترى هدى الشحي، أنها لا تقبل المجازفة بهذه الأمور، مؤكدة أنها لا تقدم على إعطاء أطفالها أية أدوية دون الرجوع إلى طبيب متخصص أو حتى صيدلي على الأقل، لتفادي حدوث أية آثار جانبية. أما ولاء ياسين، فتقول إن أحد أكبر الأخطار الشائعة التي يمكن أن تقدم عليها الأمهات هي استخدام الأدوية المسكنة وسيلة لجلب النوم لأبنائهن أو تهدئة نشاطهم المفرط، التي قد تحدث مشكلات في القلب. وترى وجود بدائل أخرى تغني عن هذه الخطوة، كإعطاء الطفل أطعمة يحبها أو الألعاب الإلكترونية لمدة محددة، بديلاً آمناً.
وتقول نوف محمد التي تكمل دراسة تخصص الطب: أضطر إلى السفر بحكم تخصصي لحضور المؤتمرات الطبية، ثلاث مرات سنوياً على الأقل إلى الولايات المتحدة، ولدي 3 أطفال أعمارهم بين الثالثة والخامسة، ولا أستطيع تركهم خلال سفري، لذلك اضطر لاصطحابهم معي. وبسبب طول المسافة التي تزيد على 10 ساعات، يمل الأطفال كثيراً خلال رحلة الطيران، ما يدفعهم إلى الشغب والحركة الكثيرة داخل الطائرة، ما قد يزعج الركاب ويضعني في موقف محرج، وسمعت من إحدى صديقاتي المقربات، أنها تعطي أبناءها دواء خاصاً بالحساسية، خلال رحلة الطيران، فيدخلهم في حالة من النوم العميق لأكثر من ثلاث ساعات، فبدأت في تنفيذ الأمر مع أطفالي، والآن أفعل ذلك منذ أكثر من سنتين ولم يحدث لهم أي مكروه، لأني لا أتجاوز الجرعة المطلوبة، وأعلم جيداً أنهم لن يصابوا بأي ضرر، لاسيما أنني طبيبة وأستطيع التأكد من أن ملعقة دواء لا بأس بها ولن تضر.
وقالت أم محمد: مع بداية عودة الدوام المدرسي، وانقضاء الإجازات، والسهر والرجوع إلى الرتابة اليومية الخاصة بالنوم والاستيقاظ مبكراً، أواجه صعوبة بالغة مع أبنائي في النوم المبكر، لذلك اضطر إلى استخدام الأدوية المهدئة للسعال، أو أدوية الحساسية، للخلود إلى النوم في وقت مبكر، وأرى أن هذه الطريقة تساعد على ضبط الساعة البيولوجية لهم وضبط مواعيد نومهم واستيقاظهم، بشكل أسرع وأيسر.