النجاح - هل تسائلتم يومًا عن قصه الجفرا؟

جفرا..اختزلت معاني الوطن واللجوء والحب والألم في راحتها...تغنت بها حروف الشعراء والزجالون..جفرا.."ومن لا يعرف جفرا؟ ومن لم يعشق جفرا؟" أسئلة رددها الشاعر الفلسطيني عزالدين مناصرة.

استيقظنا ذات يوم لنعرف بأن عشاق جفرا لا يعرفونها وأنها كغيرها وقعت فريسة فخ "الشعار"..ضاعت بين أوراق السياسة والقرارت الدولية، وتاهت في أروقة مجلس الأمن، جفرا إحدى الأرقام في صفحة اللجوء القديمة، فلم يعرفها أحد، ومات عاشقها...فهل نشنق أنفسنا..."ونشرب كأس السم العاري".

قصة الـ"جفرا" هي حكاية من عشرات الحكايات التي صنعت وبلورت التراث الفلسطيني، والتي تركت بصمتها في الحياة الثقافية الفلسطينية. هذه القصة التي بقيت طي الكتمان منذ عشرات السنين ستكشف فصولها لأول مرة، في رحلة بحث امتدت من الخليج إلى بيروت إلى دمشق إلى اسكتلندا إلى الدنيمارك، لعلها تحفظ قبل أن تضيع كغيرها من صفحات التراث الفلسطيني.

جفرا..خلف أسوار عكا


ولدت الـ"جفرا" في قرية اسمها "كويكات" في الجزء الشرقي من سهل عكا، وهي إحدى قرى قضاء عكا في لواء الجليل الأعلى، وقد اشتغل أهلها في الفلاحة والرعي كباقي قرى الجليل.

كانت الـ"جفرا" وحيدة أبويها فلا إخوة ولا أخوات، ولم تتلق التعليم، في حين كان أولاد القرية الذكور يتلقون التعليم في مدرسة (كفر ياسيف) القريبة من قرية "كويكات".


"الجفرا" لم يكن اسما بطبيعة الحال، وإنما لقب أطلقه الشاعر "أحمد عبد العزيز علي الحسن" عليها تشبيها لها بابنة الشاة الممتلئة الجسم. وقد عرف الشاعر بين أبناء القرية باسم "أحمد عزيز". أما اسم الجفرا الحقيقي فهو كما تروي لنا الحاجة (هـ.ح) : (( "رفيقة نايف نمر الحسن" من عائلة "الحسن" وامها "شفيقة إسماعيل". كانت سمراء اللون، ذات ملامح ناعمة، وكانت أمها خياطة تهتم بابنتها الوحيدة وتحرص عليها وتعززها وتكرمها وتظهرها بأجمل حلة. وكان "أحمد عزيز" ابن عمها مفتول العضلات ويحترف قول العتابا والزجل ،تقدم لخطبتها وتمت الموافقة وتزوجوا فعلا وهي في سن الـ16 تقريبا. أما " أحمد عزيز" فكان في حوالي الـ20 من عمره. وأعراسنا كانت كسائر أعراس الفلاحين في فلسطين، يعزف فيها المجوز والشبابة والدربكة، وكان الأهالي يرقصون الدبكة نساء ورجالًا.

ولم يتوفقا في زواجهما، وأرادت أمها طلاقها وطلقت فعلًا. بعد أسبوع واحد، ولم يكن الطلاق أمرًا سهلًا فهربت، و قام ابن عمها بملاحقتها حتى استقرت في بيت أهلها. وحاول مرارًا إرجاعها إلا أنها رفضت ذلك.

بعد ذلك بفترة تزوجت الجفرا من إبن خالتها "محمد الإبراهيم " من عائلة "إبريق". وعندما قطع "أحمد عزيز " أي أمل في رجوع جفرا إليه شعر بمرارة شديدة لحبه الشديد لها. وكان أهالي القرية يمرون أمام بيت الجفرا لأنه يطل على الطريق المؤدية لعين الماء، وكانت هي أيضا تخرج مع الأهالي متوجهة للعين، فكان يقول فيها شعرًا كلما رآها وهي في طريقها للسقاية من عين الماء، حاملة جرة من فخار:

جفرا يا هالربع نزلت على العين
جرتها فضة وذهب وحملتها للزين

جفرا يا هالربع ريتك تقبرينــي
وتدعسي على قبري يطلع ميرامية

* اختلف الزجالون حول كلمة "ميرامية"، منهم من استبدلها بـ"بير مية" ، لكننا هنا نورد رواية أهل القرية ومن رافق الجفرا في حياتها).

وقد رزقت الجفرا بعد زواجها من ابن خالتها بابن اسمه "كامل" وبنت اسمها "معلا".

أما "أحمد عزيز" فقد استمر بالتشبيب بالجفرا في قصائده وعتاباه ، وجمعها في كتاب أسماه كتاب "الجفرا".

وقد لقب الشاعر نفسه بـ"راعي الجفرا"، وذكر الشاعر عز الدين مناصرة بأن الأغنية ولدت حوالي عام (1939)، وأصبحت نمطًا غنائيًّا مستقلًا في الأربعينات، وانتشرت في كافة أنحاء فلسطين ثم وصلت بعد عام (1948) إلى الأردن ولبنان وسوريا.