النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
قبل أيام قرأت مقالًا مهمًا للكاتب د. يحيى أحمد المرهبي بعنوان «الانضباط الذاتي: حين يملك الإنسان نفسه»، وهو نص فكري يعيد التذكير بفكرة تربوية عميقة كثيرًا ما تضيع في ضجيج الخطابات المعاصرة: أن الحرية الحقيقية لا تتحقق حين يفعل الإنسان ما يريد، بل حين يصبح قادرًا على ألا يفعل ما يريد إذا تعارض ذلك مع القيم والمعنى. فالمعركة الكبرى في حياة الإنسان ليست مع العالم الخارجي بقدر ما هي مع نفسه؛ هل يقودها أم تقوده؟ وهل يملك إرادته أم تستعبده رغباته؟
هذه الفكرة تبدو للوهلة الأولى تأملًا أخلاقيًا عامًا، لكنها في الواقع تلامس جوهر أي مشروع تربوي حقيقي، غير أن أهميتها تصبح مضاعفة حين ننقلها من إطارها النظري إلى سياق محدد مثل واقع التعليم في فلسطين، حيث لا يعيش التعليم تحديات تعليمية تقليدية فحسب، بل يعمل في بيئة مضطربة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، تجعل من الاستمرار في التعلم نفسه فعل صمود يومي.
ففي أجزاء واسعة من فلسطين، لا تبدأ المدرسة دائمًا في ظروف طبيعية، ولا يستمر العام الدراسي دون انقطاع. هناك مدارس مهددة بالإغلاق أو الهدم، وقيود على الحركة تعيق الوصول إلى الصفوف، وضغوط اقتصادية تثقل كاهل العائلات والمعلمين، فضلًا عن التأثيرات المدمرة للحرب في غزة التي ضربت البنية التعليمية وحرمت آلاف الطلبة من مقاعدهم الدراسية. في مثل هذا الواقع يصبح التعليم أكثر من مجرد عملية نقل معرفة؛ إنه أحد خطوط الدفاع الأخيرة عن المجتمع.
هنا تحديدًا يتغير معنى الانضباط الذاتي. فليس المقصود به مجرد تنظيم الوقت أو الاجتهاد في الدراسة، بل القدرة على حماية الإرادة من الانهيار في بيئة مضطربة. الطالب الذي يواصل التعلم رغم القلق والخوف والانقطاع، والمعلم الذي يصر على أداء رسالته رغم الضغوط، يمارسان في الحقيقة شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة. إنها مقاومة لا تُرى في العناوين العريضة، لكنها تحمي المجتمع من أخطر أنواع الخسارة: خسارة الإنسان القادر على التفكير والبناء.
غير أن الانضباط الذاتي في الحالة الفلسطينية لا يرتبط فقط بالنجاح الفردي أو بالنضج النفسي، بل يتصل اتصالًا مباشرًا بفكرة الانتماء الوطني. فالتعليم في فلسطين لم يكن يومًا مجرد مسار شخصي للترقي الاجتماعي، بل كان دائمًا جزءًا من مشروع وطني يسعى إلى حماية الهوية وبناء الإنسان القادر على الصمود والمشاركة في بناء المجتمع. ولهذا فإن الطالب الذي يلتزم بالتعلم ويثابر عليه لا يخدم مستقبله الشخصي فقط، بل يساهم أيضًا في حماية رأس المال البشري للشعب الفلسطيني.
فالانتماء الوطني في جوهره ليس شعارًا سياسيًا ولا عاطفة عابرة، بل مسؤولية عملية تظهر في السلوك اليومي. ومن أهم تجليات هذه المسؤولية أن يرى الطالب في تعليمه واجبًا وطنيًا لا مجرد طريق إلى وظيفة. فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط دائم لا تستطيع أن تبني مستقبلها إلا بإنسان يمتلك القدرة على الصبر والعمل الطويل والانضباط في مواجهة الإحباط.
وهنا تظهر مفارقة مهمة في النقاش التربوي الفلسطيني. فكثيرًا ما نتحدث عن المناهج والامتحانات والبنية المدرسية، وهي قضايا مهمة بلا شك، لكننا نغفل أحيانًا عن البعد الأعمق: بناء الإرادة الإنسانية القادرة على التعلم رغم الظروف. فالتعليم ليس مجرد نظام إداري أو مؤسسي، إنه قبل ذلك عملية تكوين داخلي للإنسان.
غير أن الحديث عن الانضباط الذاتي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب لوم للفرد. فالطالب الفلسطيني لا يعيش في ظروف طبيعية، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية تجاوز كل الصعوبات. الانضباط الذاتي هنا ليس بديلاً عن مسؤولية الدولة والمؤسسات في حماية التعليم، بل هو قدرة داخلية تساعد الفرد على الصمود إلى أن تتحسن الظروف.
ومع ذلك، فإن التجربة الفلسطينية تثبت أن التعليم ظل دائمًا أحد أهم مصادر قوة المجتمع. فحتى في أصعب المراحل التاريخية، بقيت المدرسة والجامعة فضاءين لإعادة إنتاج المعرفة والأمل والهوية. والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى المؤسسات، بل إلى إرادة الطلبة والمعلمين الذين أدركوا أن التعليم ليس رفاهية بل ضرورة وجودية.
لهذا يمكن القول إن الانضباط الذاتي في السياق الفلسطيني يتجاوز كونه فضيلة شخصية ليصبح قيمة وطنية. إنه القدرة على تحويل التعلم إلى فعل مسؤولية، وعلى حماية العقل من التشتت، وعلى بناء الذات في زمن يحاول فيه كثير من العوامل تفكيكها.
فالمجتمع الذي يريد أن يصمد لا يحتاج فقط إلى شعارات وطنية، بل إلى إنسان قادر على العمل الطويل والصبر والانضباط. والطالب الذي يتعلم اليوم بإصرار رغم كل الظروف لا يبني مستقبله الشخصي فحسب، بل يشارك أيضًا في حماية مستقبل شعبه.
وهكذا، فإن الحرية التي تبدأ بسيادة الإنسان على نفسه لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتصبح أساسًا لبناء مجتمع قادر على الصمود. وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح الانضباط الذاتي أكثر من خلق شخصي؛ يصبح فعل انتماء وطني، وحجر أساس في معركة بناء الإنسان الفلسطيني.