النجاح الإخباري - د.ياسر أبوبكر
في أزمنة الاستقرار، تُعقد المؤتمرات لتبادل الرؤى وتحسين الأداء. أما في أزمنة الإبادة والاستهداف الوجودي، فإن أي مؤتمر وطني يتحول إلى مساحة مساءلة كبرى: كيف نحمي المجتمع من التفكك؟ وكيف نحول الصمود من شعار تعبوي إلى نظام عمل متكامل؟ من هذا المنطلق يمكن قراءة مؤتمر شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية «تعزيز المشاورات بين القطاعين الحكومي والأهلي ومجتمع المانحين» بوصفه محاولة لإعادة تعريف قواعد الشراكة في لحظة مفصلية.
أول ما يجب التوقف عنده هو السياق. المؤتمر انعقد بينما غزة تحت القصف، والمؤسسات الأهلية نفسها مستهدفة؛ أكثر من 240 شهيدًا من العاملين في العمل الأهلي، وتدمير غالبية المقرات. هذه الأرقام لا تُذكر لإثارة التعاطف، بل لتأكيد حقيقة استراتيجية: المجتمع المدني لم يعد هامشًا في المعادلة الوطنية، بل بات جزءًا من ساحة الاشتباك. ومع ذلك، واصل أداءه، وفتح مقراته كمراكز إيواء وإغاثة. هذا السلوك يعكس أن البنية المجتمعية الفلسطينية لا تزال قادرة على إنتاج الاستجابة حتى في أقسى الظروف.
من هنا جاءت الفكرة المركزية التي طُرحت في المؤتمر: التكاملية. غير أن التكاملية ليست كلمة تجميلية. هي تعني، عمليًا، إنهاء حالة التوازي بين العمل الحكومي والأهلي، وإنهاء الفصل المصطنع بين الإنساني والسياسي، وبين الإغاثي والتنموي. في بيئة استهداف شامل، لا يمكن لأي قطاع أن يعمل بمعزل عن الآخر. المطلوب ليس تنسيقًا ظرفيًا، بل إطارًا مؤسسيًا دائمًا يحدد الأولويات، ويوزع الأدوار، ويمنع ازدواجية الجهد وهدر الموارد.
الجلسة الخاصة بتوجهات القطاع الحكومي كشفت بوضوح أن فجوة الثقة ما زالت قائمة، وأن توسيع المشاورات بات ضرورة. لكن من منظور مجتمعي، الثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بالمشاركة الفعلية في صنع القرار، وبشفافية في إدارة الموارد، وبمأسسة مجموعات العمل الوطنية بحيث تتحول من منصات حوار إلى أدوات تخطيط وتنفيذ. المجتمع المدني لا يريد أن يكون مقاول تنفيذ، بل شريكًا في صياغة السياسات العامة.
في المقابل، طرح ممثلو المؤسسات الأهلية رؤية أكثر جرأة: المنظمات ليست وسيطًا بين المجتمع والحكومة، بل أحد أعمدة البنية الوطنية. هذه المقاربة تعكس تحولًا في وعي الدور؛ فحين تتعرض الأرض والمجتمع لمحاولة تفكيك، يصبح الدفاع عن النسيج الاجتماعي مهمة سياسية بامتياز، لا مجرد نشاط تنموي.
أما العلاقة مع المانحين، فقد كانت محورًا حاسمًا في النقاش. الرسالة الجوهرية التي برزت هي أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الدعم السياسي. حين يُختزل الفلسطيني في صورة «متلقٍ للمساعدة»، يُهمَّش حقه في تقرير المصير والسيادة على موارده. القراءة الاستراتيجية هنا تفرض إعادة ضبط العلاقة مع المانحين على أساس الأولويات الوطنية، لا على أساس الاستجابة المجزأة لمشاريع قصيرة الأمد.
اللافت أيضًا هو التركيز على قطاعات بعينها: تمكين المرأة، دعم الزراعة، ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة. هذه ليست ملفات اجتماعية منفصلة، بل ركائز صمود. تمكين المرأة في ظل اتساع دائرة الأرامل والشابات المعيلات هو استثمار في الاستقرار المجتمعي. دعم الزراعة في ظل تراجع الموازنات واستهداف الأرض هو دفاع مباشر عن البقاء والسيادة. دمج الأشخاص ذوي الإعاقة يعكس عدالة النموذج الوطني وقدرته على احتضان جميع مكوناته.
غير أن القراءة النقدية تفرض سؤالًا صريحًا: هل نمتلك الإرادة لتحويل التشبيك إلى تحالفات حقيقية؟ بناء التحالفات يعني توحيد الصوت أمام المانحين، وتنسيق الخطاب الوطني، والاستعداد لتقاسم الأدوار لا التنافس عليها. التكاملية تتطلب تنازلًا متبادلًا عن مساحات نفوذ، وإعادة هندسة العلاقة بين المركز والقطاعات المختلفة.
خلاصة القول إن المؤتمر لم يكن خبرًا صحفيًا عابرًا، بل لحظة مراجعة لنموذج إدارة الصمود الفلسطيني. التوصيات وضعت الاتجاه الصحيح: شراكة، تكامل، مساءلة، وأولوية للبقاء. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انفضاض القاعة. إما أن تتحول هذه الرؤية إلى بنية مؤسسية واضحة تعيد تنظيم القوة الوطنية في مواجهة التحديات، أو تبقى كلمات جميلة في زمن لا يحتمل التجميل.
في معركة تستهدف الإنسان والأرض والرواية، تصبح الشراكة أكثر من خيار تنظيمي؛ تصبح شرطًا للبقاء.