النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
تختبر فلسطين خلال الأعوام الأخيرة مرحلة دقيقة من تاريخ منظومتها التعليمية. فالأزمة التي بدأت بتذبذب الرواتب وتراكم المستحقات لم تعد مجرد تحدٍّ مالي، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تمتد من الاقتصاد إلى السياسة، ومن المدرسة إلى المجتمع. الجوهر الحقيقي للأزمة لا يكمن في راتب نزل اليوم وتأخر غدًا، بل في هشاشة البيئة السياسية-المالية التي تعمل داخلها السلطة الفلسطينية، حيث تتحكم المقاصة والدعم الخارجي وغيرهما في قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها. وبالتالي، فإن القول إن الحكومة "تختار" التأخير قول غير دقيق؛ فمساحة قرارها قد لا تتجاوز 20% في أحسن تقدير، بينما 80% من الأزمة مفروضة قسرًا بحكم الواقع السياسي.
وبذلك فإن أزمة الرواتب ليست سياسة ممنهجة لإضعاف المعلم كما يُشيع البعض، بل نتيجة تراكم أزمات سياسية واقتصادية متداخلة. فإذا انتهت الأزمة السياسية، ينتهي شح المال؛ وإذا تدفقت الموارد، يستقر التعليم. هذه سلسلة مترابطة لا يمكن فصل حلقاتها أو تحميل طرف واحد وحده مسؤولية كامل الفشل.
ورغم وضوح المشهد البنيوي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة أصوات ميدانية تحت اسم "حراك"، وجرى تضخيم حجمها إعلاميًا أكثر مما تحتمله الأرقام والواقع. والحق أن هذه الحراكات تعكس حالة غضب مشروعة، لكنها لا تمتلك شرعية تمثيلية، ولا إطارًا تنظيميًا، ولا برنامجًا تفاوضيًا مؤسسيًا. الشرعية في العمل النقابي لا تُمنح من فيسبوك ولا من الاحتجاج اللحظي، بل من صندوق الاقتراع، ومن تمثيل قانوني واضح قادر على إبرام اتفاقات ملزمة تحفظ حقوق الجميع.
الاتحاد العام للمعلمين - بكل ملاحظاتنا عليه - يبقى المرجعية النقابية الشرعية. فإن كان هناك اعتراض أو رغبة في تغيير القيادة، فالأطر القانونية مفتوحة، والانتخابات هي الطريق. أما تهميش الاتحاد ومحاولة خلق بديل عفوي غير منظم، فذلك لا يبني حركة نقابية، بل يفتح الباب لفوضى تحرق المدرسة قبل أن تخدم المعلم.
وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المحلي. فالأسرة الفلسطينية التي تخشى على مستقبل أبنائها يجب أن تكون ضمانة لاستمرار العملية التعليمية لا شريكًا في شللها. مصلحة التعليم فوق مصلحة الحزب، ومصلحة الطالب فوق المزايدات السياسية. المدرسة ليست ساحة اشتباك سياسي. حين تتحول إلى ذلك، يخسر الجميع: المعلم، الطالب، المجتمع، والهوية.
اليوم، لا يحتاج النظام التعليمي إلى مزيد من التوتير، بل يحتاج إلى:
•    تجديد وتمكين الشرعية النقابية بالانتخاب والتمثيل الشفاف .
•    حماية المدرسة من الاستثمار الحزبي والمصلحي .
•    إدراك أن أي مسعى لإسقاط التعليم يعني عمليًا إسقاط السلطة وإضعاف الكيان الوطني .
•    وعي أن الحل الجذري يبدأ سياسيًا قبل أن يكون ماليًا أو نقابيًا.
فالذي يتخيّل أن كسر النظام التعليمي سيجبر الحكومة على دفع راتب أسرع، لا يرى الصورة كاملة. تدمير المدرسة يعني تدمير آخر ما تبقى صامدًا في البنية الوطنية. إن التعليم ليس ملف خدمات، بل سلاح استراتيجي في معركة بقاء الشعب الفلسطيني. وإذا تنازلنا عنه، تنازلنا عن المستقبل.
إن الخروج من الأزمة ممكن، لكن بشرط واحد:
أن نرى التعليم كقضية وطنية لا كملف مطلبي فقط.