النجاح الإخباري - كتب د. ياسر أبو بكر:
يشكّل المعلم في البيئات القسرية حجر الزاوية في إعادة إنتاج المعنى التربوي في سياقات يسودها الاضطراب والعنف وفقدان الاستقرار. ففي ظل انهيار البنى المؤسسية وغياب الموارد، يتجاوز دور المعلم وظيفته المهنية ليصبح عنصرًا فاعلًا في إعادة بناء النسيج الاجتماعي وصون الهوية الوطنية. إنّ المعلم في هذه البيئات لا يُقاس عطاؤه بعدد الحصص الدراسية أو الشهادات، بل بقدرته على حماية الوعي الجمعي من الانكسار.
تكشف التجربة الفلسطينية بجلاء هذا البعد التربوي-التحرري. فالمعلم الفلسطيني الذي يواصل تدريسه في المدارس المهدّمة أو في المخيمات المحاصرة يجسد نموذج "المربي المقاوم"، حيث يلتقي الفعل التربوي بالفعل الوطني. فالتعليم بالنسبة له ليس نشاطًا محايدًا، بل ممارسة أخلاقية تؤكد أنّ المعرفة يمكن أن تُنتَج حتى في أقسى الظروف. إنّ استمرار المعلم في أداء رسالته في القهر هو بحد ذاته فعل مقاومة ثقافية، إذ يحوّل الحصة الدراسية إلى مساحة للكرامة والوعي النقدي.
من منظورٍ تربوي-تحليلي، يمكن القول إنّ المعلم في القسر يدمج بين ثلاثة أدوار متكاملة: الدور النفسي الذي يوفّر الأمان ويخفّف من أثر الصدمات لدى الطلبة، والدور الاجتماعي الذي يرمم العلاقات داخل المجتمع المحلي، والدور المعرفي الذي يعيد للتعليم وظيفته الإنسانية بوصفه أداة لتحرير العقل. هذه الأدوار تجعل من المعلم عنصرًا بنائيًا في "منظومة الصمود" التي تسبق في أهميتها أي بنية تحتية مادية.
أما في الفكر التربوي النقدي، فإنّ مفهوم "المعلم- المثقف" كما طرحه باولو فريري ينسجم مع التجربة الفلسطينية. فالمعلم هنا ليس ناقلًا للمعلومات بل شريكًا في صناعة الوعي. إنه يعلّم عبر الحوار لا الإملاء، ويشجع طلابه على التساؤل لا على الحفظ. وحين يمارس هذا الدور داخل بيئة قسرية، يصبح فعله التربوي فعلًا تحرريًا بامتياز. فالتربية في القهر ليست محاولة لإعادة النظام، بل لإعادة الكرامة.
لقد أثبتت الدراسات الميدانية في فلسطين أنّ الطلاب الذين يتلقون تعليمهم من معلمين حافظوا على توازنهم النفسي والإيماني رغم القهر، يطوّرون بدورهم مهاراتٍ عالية في التكيف والإصرار. وهذا يؤكد أنّ المعلم ليس وسيطًا للمعرفة فحسب، بل وسيطًا للثبات النفسي والاجتماعي. إنه نموذج "القائد الهادئ" الذي يزرع الأمل في بيئةٍ يختبر فيها الجميع معنى البقاء يوميًا.
من هنا، فإن تطوير التعليم في البيئات القسرية لا يمكن أن يتحقق عبر المناهج أو البنية التحتية وحدها، بل عبر تأهيل المعلم فكريًا ونفسيًا ليكون قادرًا على تحويل الأزمات إلى فرص تعلم. فالمعلم الذي يفهم سياقه القهري هو القادر على إعادة تعريف دوره من ناقلٍ للمعرفة إلى صانعٍ لها. وبهذا المعنى، يشكل المعلم الفلسطيني نموذجًا عالميًا لما يمكن أن يقدمه الإنسان حين يتسلّح بالوعي في مواجهة القيد.
إنّ التعليم في القهر يختبر صلابة الأنظمة، لكن المعلم هو الذي يختبر صلابة الإنسان ذاته. وكل درسٍ يُقدَّم وسط الدمار، وكل طالبٍ يجد معلمه بانتظاره رغم الخطر، هو برهان على أنّ الفعل التربوي في فلسطين تجاوز حدود المهنة إلى حدود الرسالة. ومن هنا، يبقى المعلم في البيئات القسرية ليس مجرد شاهد على الألم، بل فاعلًا في إعادة بناء الأمل.