النجاح الإخباري - كتب د.ياسرأبوبكر :
في الأيام الماضية دار بيني وبين مجموعة من الكوادر الوطنية، من أولئك الذين خبروا التنظيم والعمل العام، نقاش عميق حول السؤال الذي بات يتردّد في الشارع الفلسطيني: هل ما زالت السلطة الوطنية ضرورة؟ أم أن حلّها بات خياراً مطروحاً؟
تباينت المواقف بين من يرى في السلطة عبئاً سياسيّاً وإدارياً، وبين من يعتبرها مكتسباً وطنياً لا يجوز التفريط به مهما اشتدّت الظروف. ووسط هذا الجدل، الذي يأخذ أحياناً طابع المزايدة، وأحياناً طابع الحيرة، كان لزاماً علينا أن نضع المسألة في سياقها التاريخي والسياسي والتربوي، وأن نقول كلمة صريحة لا تهادن: إنّ هذا النقاش لا يتعلق بالسلطة كمؤسسة فقط، بل يتعلق بمستقبل المشروع الوطني كله، وبمدى صمود الوعي والتعليم والهوية على الأرض.
منذ أن أُعلنت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تشكلت حولها الذاكرة الوطنية بوصفها الإطار الجامع الذي حمل المشروع التحرري الفلسطيني في أصعب مراحل التشتيت واللجوء والنضال عبر المنافي. كانت المنظمة تجسّد الحلم، والبوصلة، والهوية، وتنطق باسم فلسطين عندما كان العالم يتعامل مع الفلسطيني باعتباره «لاجئاً بلا وطن». كانت صوت الذاكرة الجمعية ووعاء الخطاب التحرري، لكنها بقيت – بحكم واقع الاحتلال والتشريد – إطاراً بلا أرض، حركة لا تُمارس سيادة فعلية، تمثّل شعباً مُبعثراً أكثر مما تدير مجتمعاً مستقراً على أرضه. ومع ذلك، فإن قيمتها التاريخية لا تُقاس بالقدرة الإدارية، بل بالوظيفة الوطنية والرمزية والتمثيلية.
ثم جاءت مرحلة جديدة بعد عقود من الصراع، لتظهر السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، كجسم سياسي-إداري على جزء من الأرض الفلسطينية، مهما كان هذا الجزء ناقصاً ومقيداً ومحاصراً. لقد مثلت السلطة – رغم محدوديتها وولادتها تحت سقف اتفاق سياسي معقد – تحولاً نوعياً: من تمثيل شعب بلا سيادة، إلى بدء إدارة شعب على أرضه، ولو تحت احتلال يفرض القيد والابتزاز والحدود في الهواء والتراب والحركة. من هنا، فإن المقارنة بين المنظمة والسلطة لا تقوم على المفاضلة بين “رمز النضال” و“جهاز الحكم”، بل على فهم العلاقة بين الحلم والممكن، بين الهوية والبناء، بين المعنى والمؤسسة.
المنظمة حافظت على الوعي الوطني، أما السلطة فقد بدأت بتجسيد هذا الوعي في شكل مؤسسات، وزارات، مدارس، جامعات، محاكم، بنى تحتية، وأجهزة مدنية. هنا يتجلّى الدور الأخطر والأعمق: السلطة هي إطار بناء المجتمع الفلسطيني على أرضه، لا في خطابه فقط.
فمن دون وجود مؤسسات تعليمية وصحية وخدمات عامة وبنى معرفية وثقافية داخل الأرض الفلسطينية، كانت ستظل فلسطين دولة في الوعي فقط وليس في الواقع. التعليم هنا ليس مجرد قطاع خدمات، بل هو حجر الأساس في صمود الهوية الوطنية على الأرض. فمن المدرسة والجامعة يُعاد إنتاج الوعي الوطني، وتُصان الذاكرة، وتُبنى القيادة الاجتماعية والفكرية والسياسية.
لذلك فإن كل خطاب يطالب بـ“حلّ السلطة” أو “تفكيكها” أو “الانسحاب منها” هو خطاب يتجاهل سؤالاً واحداً خطيراً: ما الذي سيحدث إذا اختفت مؤسسات الحكم الفلسطينية عن الأرض؟
من الذي سيتولى التعليم؟
من يدير المدارس التي تحتضن مئات آلاف الطلبة؟
من يشرف على الجامعات التي تصنع وعي الأجيال؟
من يحمي السجلات المدنية، والأراضي، والهوية القانونية للمواطن؟
الفراغ لا يكون محايداً.
الفراغ تملؤه القوة الأقوى على الأرض، وفي حالتنا هذه: الاحتلال.
إنّ أي انهيار للسلطة الوطنية الفلسطينية لن يعني العودة إلى منظمة التحرير، بل يعني العودة إلى لا شيء. المنظمة نفسها بحاجة للسلطة كي تتحرك على أرض قابلة للحياة. لا يمكن بناء دولة مستقبلية من دون جهاز حكم على الأرض، ولا يمكن تحويل الهوية الوطنية إلى سيادة سياسية ما لم تملك مؤسسات تعليمية مستمرة قوية مستقلة نسبياً ومحمية.
الحفاظ على السلطة لا يعني الرضا عن أدائها، ولا تبرير أخطائها، ولا إعفاءها من المحاسبة والإصلاح والتجديد والديمقراطية. بالعكس، ما نحتاجه هو تطويرها، إعادة إنتاج شرعية مؤسساتها، إعادة بناء نظامها التعليمي ليكون مُقاوماً واعياً، لا تقنياً محايداً. فالمعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة جغرافيا؛ من يربح وعي الجيل، يربح الأرض وإن تأخر الإعلان.
إنّ الشعب الذي يفقد مؤسساته يفقد القدرة على حماية ذاكرته.
والشعب الذي يفقد ذاكرته يصبح زائراً في وطنه، وغريباً في تاريخه.
إن السلطة الوطنية الفلسطينية – رغم كل جراحها – هي الجسر المادي الذي يربط بين منظمة التحرير كممثل شرعي، وبين الدولة الفلسطينية المستقبلية كحق تاريخي وقانوني وسياسي.
التفريط بها هو تفريط بالجسر.
والتفريط بالجسر هو تفريط بالوصول.
الواجب الآن ليس هدم ما بُني تحت النار، بل ترميمه، تقويته، وتحريره من سوء الإدارة ومن التبعية ومن الفساد ومن الغياب الديمقراطي، لأن الدولة تُبنى تحت الضغط، لا عند انتهاءه.
وبعبارة واضحة لا التباس فيها:
من يرفع شعار “حلّ السلطة” دون بديل وطني عملي جاهز، إنما يرفع شعار حلّ فكرة الدولة ذاتها.
ومن يقاتل دون حماية التعليم على الأرض، إنما يقاتل دون مستقبل.
إن مستقبل فلسطين يبدأ من المدرسة…
ويُصان في الجامعة…
ويُترجم في الوعي…
ويسكن في الأرض…
لذلك الحفاظ على السلطة الوطنية الفلسطينية ليس خياراً سياسياً فحسب، بل واجب تربوي واستراتيجي لحماية المشروع الوطني في جوهره ومعناه وتاريخه ومستقبله.