النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
كتب الزميل صدقي أبو ضهير مؤخرًا مقالًا لافتًا بعنوان «كيف تُشكّل خوارزميات ( تروث سوشيال ) : تأثير ترامب على الرأي العام؟»، تناول فيه بعمق العلاقة بين التقنية والسياسة، وكيف استطاع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن يوظّف الخوارزميات لتصبح أداة نفوذ تفوق في قوتها المنابر الإعلامية التقليدية. لقد بيّن أن التغريدة الواحدة لم تعد مجرد رأي يُكتب، بل حدث رقمي تُعيد الخوارزميات إنتاجه مئات المرات، لتصنع حوله موجات من الجدل والتأثير والاصطفاف. ومن هنا تحوّل ترامب إلى نموذج للزعيم الخوارزمي الذي لا يحكم عبر الخطاب المباشر، بل عبر حضوره الرقمي المتكرر والمضخّم بخوارزميات تكرّر ذاته حتى تخلق حوله هالة من الشعبية والسلطة الرمزية.

هذه الفكرة لا تخص الولايات المتحدة وحدها، بل تكشف واقعًا عالميًا جديدًا تتحكم فيه الخوارزميات في المزاج الجمعي، وتعيد تشكيل الرأي العام بما يخدم منطق السوق والسيطرة السياسية. وفي العالم العربي، تأخذ الظاهرة وجهًا أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد الخوارزميات أداة لتمكين المواطن من التعبير، بل أصبحت وسيلة لترويض وعيه وتوجيهه. فالمنشورات التي تتحدث عن الحرية أو العدالة أو المقاومة أو الهوية الوطنية غالبًا ما تُخفى عن الجمهور أو يُقلَّص انتشارها، بينما يتصدّر المشهد المحتوى الخفيف والترفيهي الذي يستهلك الوقت ويُضعف التفكير النقدي. وهكذا تحوّل الفضاء الرقمي إلى رقابة ناعمة، لا تفرض الصمت بالقوة، بل تغرق المتلقي في الضجيج حتى يعجز عن التمييز بين الحقيقة والتلاعب.

وفي ظل هذا الواقع، يتكشف عجز المنظومة التعليمية العربية التي لم تستطع حتى الآن إعداد جيل يمتلك وعيًا رقميًا نقديًا قادرًا على فهم منطق الخوارزميات ومخاطرها. فالتعليم في كثير من الدول العربية ما زال يُدرّس مهارات الإعلام والمواطنة بعقلية الورق والسبورة، بينما يعيش الطلبة في عالم تحكمه المعادلات الرياضية للمنصات الكبرى. غابت مفاهيم الذكاء الاصطناعي، والوعي الإعلامي، ومهارات التحقق من المعلومات عن المناهج، فصار الشباب يعيشون في فضاء يُوجّههم دون أن يشعروا، ويختار لهم ما يقرؤون وما يعتقدون. إن غياب التربية الإعلامية الرقمية جعل من المتعلم العربي متلقيًا مطيعًا لا ناقدًا فاحصًا، وهو ما يتناقض مع جوهر التعليم الذي يُفترض أن يحرر العقل لا أن يبرمجه.

أما في الحالة الفلسطينية، فإن الخطر يتضاعف، إذ تُمارس الخوارزميات شكلاً من أشكال الاستعمار الرقمي الذي يسعى إلى تغييب الرواية الفلسطينية أو تحجيمها. فالمحتوى الذي يتناول الأسرى أو الاحتلال أو الحقوق الوطنية غالبًا ما يُحجب أو يُقيّد وصوله إلى الجمهور، في محاولة لإسكات الصوت الفلسطيني في الفضاء العالمي. ومع ذلك، استطاع الفلسطينيون أن يحولوا هذا القيد إلى دافع للإبداع والمقاومة الرقمية، فابتكروا مبادرات تعليمية وثقافية ومعرفية جعلت من التعليم جبهة وعي، ومن الفضاء الرقمي ساحة لإحياء الذاكرة والهوية. لقد أدركوا أن مواجهة الخوارزميات لا تكون بالشكاوى ولا بالانسحاب، بل ببناء وعي جمعي ناقد يوظف التقنية بدل أن يقع تحت سطوتها.

إنّ ما طرحه صدق أبو ضهير في مقاله ليس مجرد تأمل في ظاهرة ترامب، بل جرس إنذار للواقع العربي كله. فالمعركة لم تعد بين يمين ويسار، أو بين إعلام رسمي وآخر مستقل، بل بين من يفهم الخوارزمية ومن تُديره الخوارزمية. إن بناء وعي رقمي نقدي أصبح ضرورة وجودية لحماية الفكر العربي من التلاعب والهيمنة. فالتربية اليوم هي خط الدفاع الأخير عن العقل، لأنها وحدها القادرة على تحويل التقنية من أداة للسيطرة إلى وسيلة للتحرر. فالخوارزميات قد تصنع الرأي، لكن التربية الواعية وحدها تصنع الإنسان الحر الذي لا يُدار من وراء الشاشة، بل يديرها بوعي ومسؤولية.