النجاح الإخباري - كتب د.ياسر أبو بكر
يُعدّ التعليم أحد الحقوق الأساسية التي نصّت عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل. غير أنّ واقع البيئات القسرية، وبخاصة في فلسطين، يكشف الهوّة الواسعة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي. فحين تُقصف المدارس، ويُعتقل الطلبة، وتُمنع الكتب من العبور، يصبح التعليم ميدانًا للمواجهة لا مجرد حقٍّ مدني. وهنا يفقد القانون الدولي قدرته على الحماية، ليحلّ محلّه وعيٌ شعبيٌّ يرى في التعليم شكلًا من أشكال المقاومة المدنية.
يُظهر السياق الفلسطيني كيف يمكن للإرادة الإنسانية أن تتجاوز عجز المنظومة القانونية. فالمعلم الذي يواصل تدريسه رغم الدمار، والطالب الذي يحمل كتابه وسط الحصار، يجسدان عمليًا جوهر الفعل الحقوقي أكثر من آلاف النصوص المكتوبة. إنهم يمارسون الحق في التعليم بالفعل لا بالادعاء، ويحافظون على معناه كحقٍّ في الكرامة قبل أن يكون حقًا في المعرفة. فالتعليم في ظلّ القهر ليس مطلبًا إداريًا، بل موقفٌ أخلاقيٌّ من العالم ومن الذات، يؤكد أن الإنسان لا يُهزم ما دام قادرًا على التعلم.
من منظورٍ تربويٍّ نقدي، يمكن القول إنّ التعليم تحت النار يختبر قدرة المجتمعات على تحويل "الحق" إلى "فعل". فالمجتمعات القادرة على حماية التعليم في الأزمات هي التي تمتلك رؤية تتجاوز البُعد القانوني إلى البُعد القيمي والوطني. ويكمن جوهر التحدي في أنّ الأطر الدولية تنظر إلى التعليم من زاوية الحماية الإنسانية، بينما يراه الفلسطيني من زاوية الوجود والمصير. لذلك يصبح الدفاع عن التعليم دفاعًا عن الوطن ذاته، لأن المدرسة ليست مؤسسةً تعليمية فحسب، بل حاضنة للهوية الوطنية وللذاكرة الجماعية التي يسعى الاحتلال إلى محوها.
لقد شكّلت تجربة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون تجسيدًا متقدّمًا لهذا المفهوم؛ إذ استطاعوا تحويل مكان القيد إلى فضاء للتعلّم، مؤكدين أن المعرفة لا تُقصف، والعقل لا يُسجن. فالجامعة التي أُنشئت داخل الزنازين لم تكن انتصارًا رمزيًا فحسب، بل ممارسة حقيقية لحقٍّ يعلو على كل المنظومات القانونية. وبالمثل، تحوّلت مدارس المخيمات إلى مواقع دائمة للتعلّم رغم ضيق المكان وغياب الموارد، لأنّ الوعي الجمعي أدرك أن خسارة المدرسة هي بداية خسارة الذاكرة الوطنية.
إنّ عجز القانون الدولي عن حماية هذا الحق لا يعني سقوطه، بل يكشف عن الحاجة إلى إعادة تعريفه. فالقانون، في جوهره، لا يصون الحقوق إلا حين تستند إلى إرادةٍ بشرية حقيقية. وفي السياق الفلسطيني، تتجلى هذه الإرادة في التعليم المستمر تحت النار، وفي تحويل المعاناة إلى طاقةٍ تربوية تعيد إنتاج الوعي. فالحق الذي يحميه الإنسان بنفسه أقوى من الحق الذي تنتظره الشعوب من الآخرين.
إنّ الدفاع عن التعليم في البيئات القسرية هو دفاعٌ عن المعنى الإنساني نفسه. فعندما يحمل طفل فلسطيني كتابه إلى مدرسة مهدّمة، أو يكتب الأسير بحثه الأكاديمي على قصاصة ورق، فهم لا يطالبون بحقٍّ قانوني، بل يكتبون دستورًا جديدًا للكرامة. وهنا تتجاوز التربية دورها التقني لتصبح مشروعًا للتحرر الإنساني، يثبت للعالم أنّ الوعي هو السلاح الأصدق، وأنّ الشعوب التي تتعلّم رغم القصف لا تُهزم، مهما خذلتها القوانين.
——
لقد شكّلت تجربة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون تجسيدًا متقدّمًا لهذا المفهوم؛ إذ استطاعوا تحويل مكان القيد إلى فضاء للتعلّم، مؤكدين أن المعرفة لا تُقصف، والعقل لا يُسجن. فالجامعة التي أُنشئت داخل الزنازين لم تكن انتصارًا رمزيًا فحسب، بل ممارسة حقيقية لحقٍّ يعلو على كل المنظومات القانونية.