النجاح الاخباري - النجاح الإخباري - مع دخول الحرب الأمريكية-الاسرائيلية على إيران يومها الرابع عشر، تتكشف ملامح مواجهة لم تعد تُقاس بعدد الأهداف المدمرة فحسب، بل بسؤال أكثر خطورة: أي طرف ستنفد ذخائره أولا؟ 

التحالف الأميركي- الإسرائيلي الذي يحرق صواريخه الاعتراضية بملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف، أم إيران التي تتآكل ترسانتها الباليستية تحت وابل لا يتوقف من الغارات، لكنها تمسك بخناق الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز؟

هذا التقرير يحاول رسم صورة دقيقة لموازين القوى والاستنزاف، استنادا إلى أحدث البيانات من مراكز أبحاث متخصصة وتصريحات عسكرية رسمية ومصادر استخباراتية مفتوحة.

القسم الأول: حجم العمليات الجارية ونطاقها

أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحفي في البنتاغون يوم الجمعة 13 مارس أن القوات الأمريكية والإسرائيلية مجتمعة ضربت "أكثر من 15 ألف هدف عسكري" منذ انطلاق "عملية الغضب الملحمي" في 28 فبراير، بمعدل يتجاوز ألف ضربة يوميا. وقال حرفيا: "إيران لم يعد لديها دفاعات جوية، ولم يعد لديها سلاح جو، ولم يعد لديها بحرية"، مضيفا أن حجم الصواريخ الإيرانية انخفض بنسبة 90 بالمئة والطائرات المسيرة بنسبة 95 بالمئة عن اليوم الأول للعمليات.

وكان قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر قد أفاد في وقت سابق بأن القوات الأمريكية دمرت أكثر من 90 سفينة حربية إيرانية، بما فيها أكثر من 30 سفينة ألغام، وحققت ما وصفه بـ"أول قتل بطوربيد غواصة أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية" حين أغرقت سفينة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا.

على الأرض، يشارك في العملية نحو 50 ألف جندي أمريكي، مع 200 طائرة مقاتلة وحاملتي طائرات وقاذفات استراتيجية، وفقا لما كشفه الأدميرال كوبر. 

من الجانب الإيراني، أفاد ممثل طهران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني بمقتل ما لا يقل عن 1348 مدنيا إيرانيا وإصابة أكثر من 17 ألفا منذ بدء الحرب. وقدرت شبكة CNN أن إجمالي القتلى عبر المنطقة تجاوز ألفي شخص. فيما أعلنت وكالة اللاجئين الأممية نزوح 3.2 مليون إيراني من ديارهم. أما على الجانب الأمريكي، فقد ارتفع عدد القتلى من العسكريين الأمريكيين إلى 13 جنديا، ستة منهم لقوا حتفهم يوم الخميس حين تحطمت طائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135 فوق غرب العراق.

القسم الثاني: التكلفة المالية للقصف ومعادلة الذخائر الهجومية

وضع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن تقديرا لتكلفة أول مئة ساعة من العمليات بنحو 3.7 مليار دولار، أي ما يقارب 891 مليون دولار يوميا، مشيرا إلى أن الإنفاق الضخم على الذخائر هو المحرك الرئيسي لهذا الرقم. وأبلغ البنتاغون أعضاء الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تكلفة الأسبوع الأول بلغت 11.3 مليار دولار، بحسب ما نقلته وكالة أسوشييتد برس.

في ما يخص الذخائر الهجومية، أقر الرئيس ترامب نفسه في منشور على منصة "تروث سوشيال" بأن المخزونات الأمريكية "في المستوى المتوسط والمتوسط الأعلى لم تكن أعلى أو أفضل قط"، لكنه اعترف بأنه "في المستوى الأعلى، لدينا إمداد جيد لكن لسنا حيث نريد أن نكون"، ملقيا باللوم على إدارة بايدن لعدم تعويض الأسلحة التي أُرسلت إلى أوكرانيا.

وفي قراءة لهذا التصريح، أوضح توم كاراكو رئيس مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لمجلة "ذي أتلانتيك" أن الضغط على المخزونات قد يصبح حادا لدرجة تُجبر إدارة ترامب على نشر قوات برية داخل إيران لتحييد مواقع الإطلاق تحت الأرض، قائلا: "لا نستطيع الاستمرار في فعل هذا. لهذا السبب هناك إلحاح شديد لإنهاء المهمة".

والملاحظ أن مذكرة داخلية للقيادة المركزية الأمريكية حصلت عليها صحيفة "بوليتيكو" تطلب إرسال ضباط استخبارات إلى مقر القيادة "لدعم العمليات ضد إيران لمئة يوم على الأقل، وعلى الأرجح حتى سبتمبر"، وهو ما يشير إلى تخطيط لعملية أطول بكثير مما تصرح به الإدارة علنا.

القسم الثالث: مخزون الصواريخ الاعتراضية — العقدة الأخطر في الحرب

هنا يكمن ما وصفته صحيفة "ذي أتلانتيك" بـ"المتغير الوحيد الذي قد يحسم الحرب". فبينما تملك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقا جويا ساحقا في الهجوم، فإن القدرة على الدفاع عن قواعدهما وحلفائهما من صواريخ إيران ومسيراتها هي التي تحدد مدة الحرب الممكنة.

كشف تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الصادر في ديسمبر 2025 أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ "ثاد" الاعتراضية كان يبلغ نحو 534 صاروخا، ومن صواريخ SM-3 لمنظومة "إيجيس" نحو 414 صاروخا. أما صواريخ "باتريوت" من طراز PAC-3فتقدر بنحو 1600 صاروخ، وفقا للباحث في المركز مارك كانسيان الذي نقلت عنه هيئة الإذاعة البريطانية هذا الرقم.

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أورد معهد الدراسات الاستراتيجية الدولي في تقريره "الميزان العسكري 2026" أن مخزون إسرائيل من عائلة منظومة "آرو" يبلغ نحو 450 وحدة اعتراضية. وأفادت قناة الجزيرة نقلا عن محللين إسرائيليين بأن إسرائيل "بدأت تنفد منها مخزونات الصواريخ الاعتراضية خلال حرب الاثني عشر يوما" في يونيو 2025، مما يعني أن الوضع أصبح أصعب في الحرب الراهنة.

الاستهلاك الفعلي خطير. فقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة استخدمت خلال حرب الاثني عشر يوما السابقة بين 100 و150 صاروخ "ثاد" و80 صاروخ SM-3 لحماية إسرائيل وحدها، أي ما يعادل 30 بالمئة من مخزون "ثاد" في صراع لم يتجاوز أسبوعين.

أما في الحرب الحالية، فقد وضعت كيلي غريكو الباحثة في مركز ستيمسون معادلة واضحة نقلتها صحيفة "ميليتري تايمز": "إذا استخدمت الولايات المتحدة صواريخها الاعتراضية بنفس المعدل الذي استخدمته في حرب الاثني عشر يوما، فإنها ستستنفد نصف مخزونها الاعتراضي بالكامل خلال أربعة إلى خمسة أسابيع". وأضافت: "لا يمكنك تعويض هذا النوع من الصواريخ بين عشية وضحاها. الأمر سيستغرق سنوات".

دانييل شابيرو السفير الأمريكي الأسبق لدى إسرائيل والزميل في المجلس الأطلسي أكد لمجلة "ذي أتلانتيك" أن نفاد الصواريخ الاعتراضية ربما كان السبب في إنهاء حرب الاثني عشر يوما السابقة، قائلا: "ما فهمته أنه لو استمر الصراع لأيام قليلة أخرى أو أسبوع إضافي، لكان الوضع أصبح حرجا".

محاولات التعويض جارية لكنها بطيئة. فقد أعلنت شركة لوكهيد مارتن في يناير الماضي توقيع اتفاق مع الحكومة الأمريكية لإنتاج نحو ألفي صاروخ PAC-3 سنويا، لكن العقد مصمم للتنفيذ على مدى سبع سنوات. كما أبرمت وزارة الدفاع اتفاقا لمضاعفة إنتاج صواريخ "ثاد" أربع مرات من 96 إلى 400 سنويا، غير أن كيلي غريكو علقت قائلة: "وزارة الدفاع بارعة جدا، لكن السحر ليس من بين قدراتها بعد".

القسم الرابع: معادلة التكلفة غير المتكافئة — المسيرة الرخيصة مقابل الصاروخ باهظ الثمن

ربما تكون هذه المعادلة هي الأكثر إثارة للقلق في أروقة البنتاغون. فوفقا لموقع "أوبن سورسميونيشنز بورتال" المتخصص في رصد الذخائر، تتراوح تكلفة المسيرة الإيرانية "شاهد" بين 20 ألفا و50 ألف دولار. في المقابل، يبلغ ثمن صاروخ PAC-3 المستخدم لاعتراضها نحو أربعة ملايين دولار. وهذا يعني أن نسبة التكلفة تبلغ 114 إلى 1 لصالح إيران، كما أوردت صحيفة "ميليتري تايمز".

ما يزيد المعادلة تعقيدا أن وكالة رويترز نقلت أن إيران قادرة على إنتاج نحو عشرة آلاف طائرة مسيرة شهريا. وحتى لو كان هذا الرقم مبالغا فيه، فإن موقع "ديفنس سيكيوريتيآسيا" المتخصص قدر الإنتاج الشهري بما بين 200 و500 مسيرة من طراز "شاهد"، فيما ذكر حساب على إنستغرام يتابعه محللون أن إيران تنتج ما لا يقل عن 400 وحدة يوميا. والأرجح أن الرقم الحقيقي يقع في مكان بين هذه التقديرات المتباينة.

في المقابل، كشف هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين أمام المشرعين أن مسيرات "شاهد" الإيرانية تمثل "مشكلة حقيقية" لأنها تطير على ارتفاع منخفض ويمكنها التملص من أنظمة الدفاع الجوي، بحسب ما نقلته CNN عن مصادر حضرت الجلسة.

السيناتور مارك كيلي عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ لخص المعضلة في تصريح لشبكة CNN بقوله: "يمكننا التعامل مع بعض هذا، لكن إذا كان لديهم أصول هجومية أكثر مما لدينا من أصول دفاعية، فقد ندخل في مشكلة حقيقية بسرعة كبيرة إذا وصل عمق مخزوننا إلى الصفر وأصبح بإمكانهم إطلاق هذه الأشياء بحرية في أنحاء المنطقة".

القسم الخامس: القدرات الإيرانية المتبقية — بين التآكل والمرونة

على الطرف الآخر من المعادلة، تتآكل القدرات الصاروخية الإيرانية بسرعة لكنها لم تنته. فوفقا لتقييم الجيش الإسرائيلي الصادر في 11 مارس والذي نشره معهد الأمن القومي اليهودي (JINSA)، تمتلك إيران نحو 160 منصة إطلاق باليستي نشطة، أي أقل من 35 بالمئة من إجمالي ما كانت تملكه قبل الحرب، إلى جانب نحو 1500 صاروخ باليستي متبقٍ.

وكان صحفي إسرائيلي قد نقل في 7 مارس عن مصادر استخباراتية إسرائيلية أن طهران تمتلك نحو 120 منصة إطلاق فقط، وفقا لتقرير معهد دراسة الحرب (ISW). كما ذكرت صحيفة "ذا صن" البريطانية نقلا عن خبراء أن إيران "على بعد أيام من نفاد منصات الإطلاق المتحركة" عند معدل الاستنزاف الحالي.

لكن بلومبرغ نشرت يوم 12 مارس تقريرا مفاده أن "عدد منصات الإطلاق الإيرانية ظل ثابتا نسبيا رغم الضربات"، مشيرة إلى تقديرات غربية وإسرائيلية تفيد بأن إيران تُجيد تحريك منصاتها وإخفاءها.

سانام وكيل مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس حذرت خلال مائدة مستديرة في المجلس الأطلسي من الإفراط في التفاؤل، قائلة: "في اليوم السادس، يبدو أن قدرة إيران على إطلاق الصواريخ تراجعت، لكن هذا قد يكون متعمدا أيضا. إيران مستعدة لحرب أطول مما حسبت له إدارة ترامب على ما يبدو". وأشارت إلى أن إيران قد تحتفظ بصواريخها لضربات مركزة لاحقة، أو تخطط لحملة عسكرية تأتي على شكل موجات.

وبينما يؤكد البنتاغون ثقته، إذ قال هيغسيث: "ليس لدينا نقص في الذخائر"، فإن رئيس هيئة الأركان الجنرال كاين كان أكثر حذرا في تصريح للصحفيين: "لدينا ذخائر دقيقة كافية للمهمة المطروحة، هجوميا ودفاعيا. لكن كمسألة ممارسة، لا أريد أن أتحدث عن الكميات".

القسم السادس: مضيق هرمز — ورقة إيران الاستراتيجية الكبرى

إذا كانت الحرب الجوية تميل لصالح التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، فإن معركة المضيق تميل لصالح إيران. فقد كشفت CNN نقلا عن مصادر متعددة مطلعة أن البنتاغون ومجلس الأمن القومي "استهانا بشكل كبير باستعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز ردا على الضربات الأمريكية" أثناء التخطيط للعملية.

 

المضيق مغلق فعليا منذ بداية الحرب. ونقلت صحيفة "الغارديان" أن أكثر من ألف سفينة شحن، معظمها ناقلات نفط وغاز، مُنعت من العبور. وأفادت وكالة رويترز بأن وزارة الخارجية الإيرانية أعلنت أن "أي سفينة ترغب في المرور عبر المضيق يجب أن تنسق مع البحرية الإيرانية". أما المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي فقد أعلن في أول بيان علني له أن المضيق سيبقى مغلقا كـ"أداة ضغط"، وفقا لما بثه التلفزيون الرسمي الإيراني.

على الأرض، نقلت CNN أن إيران زرعت ألغاما بحرية قرب المضيق، وأن إحداها أصابت السفينة الحربية الأمريكية USS Samuel B. Roberts، رغم أن الرئيس الفرنسي ماكرون قال إنه "لا يملك تأكيدا" بشأن الألغام. كما أُصيبت 16 سفينة على الأقل من ناقلات نفط وسفن شحن في المضيق والخليج وخليج عمان منذ بدء الحرب، بحسب وكالة الملاحة البحرية البريطانية التي نقلت عنها CNN.

أفاد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في تحليل مفصل بعنوان "لا أحد، ولا حتى بكين، يعبر مضيق هرمز" أن بيانات تتبع السفن تؤكد أن إيران "نجحت إلى حد كبير في إغلاق حركة المرور عبر المضيق". وأشار التقرير إلى أن حتى السفن الصينية لم تتمكن من العبور، رغم مفاوضات جارية بين بكين وطهران، وأن أقساط التأمين ارتفعت إلى مستويات تمنع فعليا أي ملاحة تجارية، مع إلغاء معظم شركات التأمين تغطية مخاطر الحرب بالكامل.

شركات الشحن العملاقة ميرسك وهاباغ لويد و CMA CGM أوقفت خطوطها عبر المضيق بالكامل، كما نقل المجلس الأطلسي. وأعلنت ميرسك تعليق خدمتها FM1 التي تربط الشرق الأقصى بالشرق الأوسط وخدمتها ME11 بين أوروبا والهند عبر قناة السويس.

والأخطر أن مسؤولا أمريكيا اعترف لقناة الجزيرة بأن الجيش الأمريكي "غير جاهز حاليا لتأمين مرافقة السفن النفطية عبر هرمز". وحين سُئل ترامب يوم الجمعة، قال إن الولايات المتحدة ستوفر حراسة عسكرية لناقلات النفط "إذا لزم الأمر"، لكنه أضاف ما بدا توبيخا لطواقم الناقلات بقوله: "اعبروا مضيق هرمز وأظهروا بعض الشجاعة"، وذلك بحسب ما نقلته CNN.

القسم السابع: الأثر الاقتصادي — أرقام مرعبة

يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. وقد أفادت وكالة بلومبرغ بأن أسعار خام برنت وصلت إلى أعلى مستوى في 42 شهرا، متجاوزة 100 دولار للبرميل يوم الخميس. وسجلت الأسعار ذروة بلغت 119.48 دولارا يوم الاثنين حين قصفت إسرائيل 30 مستودع نفط إيرانيا، وفقا لموقع TradingView.

وأظهرت بيانات جمعية AAA الأمريكية للسيارات أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت إلى 3.63 دولار للغالون، وهو أعلى مستوى منذ 22 شهرا. ونقلت شبكة محلية أمريكية عن محللين توقعهم بوصول الأسعار إلى ما بين 6 و7 دولارات للغالون إذا استمر الإغلاق.

على المستوى الدولي، وصف المجلس الأطلسي الوضع بأن "إيران حولت الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي عالمي"، مشيرا إلى أن الضرر الاقتصادي "وقع بالفعل" بصرف النظر عن مدة الحرب، لأن تكاليف إعادة توجيه الشحن وإعادة تسعير الخدمات وإعادة حساب أقساط التأمين "باتت مدمجة فعلا في النظام".

واستجابة للأزمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية إطلاق 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ لدى 32 دولة عضو، في أكبر عملية إطلاق في تاريخ الوكالة، منها 172 مليون برميل أمريكي من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وفقا لما أعلنته وزارة الطاقة الأمريكية.

لكن موقع Axios كشف أن هذا الاحتياطي يحوي حاليا 415 مليون برميل فقط — وهو عند أدنى مستوى في ثلاثين عاما — ويعمل بنسبة 58 بالمئة من طاقته. وبعد سحب 172 مليون برميل، سينخفض إلى نحو 243 مليون برميل، مع وجوب الاحتفاظ بـ150 مليونا كحد أدنى تشغيلي وفقا لتقديرات JPMorgan.

ونبه محللو JPMorgan أيضا إلى أن الإطلاق المنسق للاحتياطيات سيوفر نحو 1.2 مليون برميل يوميا فقط، وهو "غير كاف لمواجهة الخسارة المحتملة البالغة نحو 12 مليون برميل يوميا من إغلاق مطول لهرمز".

مارك مالك كبير مسؤولي الاستثمار في شركة سيبرت وصف الخطوة في مذكرة للمستثمرين نقلها Axios بأنها "المكافئ في عالم الطاقة للحظة ماريو دراغي الشهيرة 'مهما تطلب الأمر' خلال أزمة الديون الأوروبية"، مضيفا: "التهديد الموثوق بالعمل المنسق يقوم بجهد أكبر من البراميل الفعلية".

القسم الثامن: سباق الساعات — من ينفد أولا؟

شالوم ليبنر الزميل البارز في المجلس الأطلسي والذي خدم أكثر من 25 عاما في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لخص الوضع لصحيفة "ميليتري تايمز" بقوله: "إنه سباق استنزاف بين الطرفين لمعرفة من يصل إلى خط النهاية قبل الآخر".

محمد سليمان الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن أضاف للصحيفة نفسها: "السؤال هو أي ساعة ستنفد أولا"، محذرا من أن أي تصعيد بري، بما في ذلك عبر الحلفاء الأكراد، سيطيل الصراع ويسرع استنزاف الصواريخ الاعتراضية.

ميك مولروي المسؤول الأسبق في البنتاغون والضابط السابق في مشاة البحرية والاستخبارات المركزية قال لمجلة "ذي أتلانتيك": "بشكل عام، هذا في جوهره يتعلق باستنزاف قدرة إيران على خوض الحرب"، مشيرا إلى أن الصراع قد يتحول إلى "معركة لوجستيات وإمدادات".

أما على الجانب الإيراني، فقد أعلن الرئيس مسعود بزشكيان ثلاثة شروط لوقف الحرب: الاعتراف بحقوق إيران المشروعة، ودفع تعويضات، وضمانات دولية صارمة ضد أي عدوان مستقبلي. كما هدد الحرس الثوري بإشعال البنية التحتية النفطية والغازية في المنطقة "بالنار" إذا استُهدفت منشآت الطاقة الإيرانية.

وكان لافتا أن ترامب قال يوم الجمعة إنه "سيعرف أن الحرب انتهت حين يشعر بذلك في اعماقه"، وهو ما يعكس — كما لاحظت CNN — غياب معايير واضحة لإنهاء الصراع.

القسم التاسع: التداعيات الإقليمية والدولية

لم تبق الحرب محصورة بين أمريكا وإسرائيل وإيران. فقد أفادت قناة الجزيرة بأن الإمارات اعترضت موجة ضخمة من القذائف الإيرانية شملت ستة صواريخ باليستية وسبعة صواريخ جوالة و39 طائرة مسيرة في يوم واحد. وتعرضت السعودية والبحرين والكويت وعمان لهجمات متكررة. كما اعترضت دفاعات حلف الناتو صاروخا فوق تركيا للمرة الثالثة منذ بدء الصراع، بحسب CNN.

في لبنان، وسعت إسرائيل عملياتها ضد حزب الله بشكل كبير، مع غارات واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت وتوغل بري جنوبا حتى 40 كيلومترا من الحدود. وأعلنت الحكومة اللبنانية مقتل أكثر من 630 شخصا وتسجيل 800 ألف نازح، كما نقلت الجزيرة.

على الصعيد الدولي، انتقدت شبكة حاكم تشاتام هاوس في تحليل نشرته يوم 13 مارس امتداد الصراع إلى المحيط الهندي، محذرة من أن "قدرة إيران على إغلاق المضيق سيكون لها تأثير متسلسل على حركة الملاحة البحرية الأوسع، مما يخلق مخاطر أمنية جديدة مع بحث السفن عن مسارات بديلة".

 

وفي إشارة ذات دلالة، انتقد القادة الأوروبيون قرار إدارة ترامب تخفيف بعض العقوبات على النفط الروسي مؤقتا خلال الحرب، إذ حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن روسيا قد "تستغل الحرب في إيران لإضعاف أوكرانيا"، فيما وصف الرئيس الأوكراني زيلينسكيالقرار بأنه "لا يساعد السلام بالتأكيد"، كما نقلت CNN.

خاتمة: الموازنة الصعبة

تقف هذه الحرب عند مفترق حرج. التحالف الأمريكي-الإسرائيلي يملك قوة نارية هجومية ساحقة ونجح في شل جزء كبير من الآلة العسكرية الإيرانية. لكن ثلاثة قيود هيكلية تحد من قدرته على مواصلة العمليات إلى أجل غير مسمى: محدودية مخزون الصواريخ الاعتراضية المتقدمة التي لا يمكن تعويضها بسرعة، والتكلفة غير المتناسبة لمواجهة أسلحة رخيصة بأسلحة باهظة، وعجز البحرية الأمريكية حتى الآن عن فك إغلاق مضيق هرمز الذي يكلف الاقتصاد العالمي مليارات يوميا.

إيران من جهتها تخسر ترسانتها الباليستية بوتيرة متسارعة، لكنها تراهن على أن طائراتها المسيرة الرخيصة ومضيق هرمز ووكلاءها الإقليميين يمكنهم فرض حرب استنزاف تجعل الثمن أعلى مما تتحمله واشنطن سياسيا واقتصاديا.

كما قالت كيلي غريكو من مركز ستيمسون: "بسبب الهيمنة العسكرية الأمريكية وميزانيتها السنوية البالغة تريليون دولار تقريبا، لا يضطر الأمريكيون في الغالب للتفكير في الحاجة إلى تضحيات استراتيجية. لكن هذا أحد المواضع القليلة حيث المقايضات الدفاعية حادة ومرئية فعلا".

السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستنتهي، بل متى، وبأي ثمن، ومن سيضطر للرضوخ أولا.