النجاح الإخباري - في مشهد يختزل تناقضات الخطاب الإسرائيلي، احتفت الصحافة العبرية بالعثور على جثمان آخر جنود الاحتلال الأسرى في قطاع غزة، بينما أقرّت في الوقت ذاته بأن حركة حماس «لا تزال في مكانها»، وأن «حسمها سيستغرق سنوات»، وأن التسوية الجارية في القطاع «تفرضها الولايات المتحدة على إسرائيل وهي بعيدة جداً عن وعود الحكومة». 

وتكشف قراءة متأنية أجراها "النجاح الإخباري" لما نشرته الصحف العبرية الكبرى عن محاولة لتوظيف الحدث سياسياً وإعلامياً، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية على حكومة نتنياهو للمضي في المرحلة الثانية من الاتفاق.

 تفاصيل العملية والاعتراف بـ«اختطاف» فلسطينيين

بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، جرى العثور على جثمان الجندي ران جويلي قرابة الساعة 14:30 من يوم أمس (الاثنين)، «بين 250 جثة في مقبرة تقع بمحاذاة حي الشجاعية» شمال قطاع غزة.

وأقرّت الصحيفة بأن العملية «بدأت استناداً إلى معلومة استخبارية»، مشيرة إلى أنه «في إطار العمل الاستخباراتي التمهيدي للعملية، جرى سحب عدة غزيين للتحقيق»، في اعتراف صريح بعمليات اختطاف نفّذها جيش الاحتلال بحق مدنيين فلسطينيين.

وأضافت صحيفة «هآرتس» تفاصيل أكثر وضوحاً، حيث كشفت أن «جهاز الأمن العام أعلن أنّ الاختراق في التحقيق وقع قبل نحو شهر، بعدما اختطف الجهاز من جنوب مدينة غزة ناشطاً في الجهاد الإسلامي، فسلّم في التحقيق تفاصيل عن موقع الدفن المفترض.

ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن ضابط في وحدة «يهلوم» قوله: «جرى تطهير المكان من الوسائل المتفجرة، وكذلك من الجثث الكثيرة. ذكّر ذلك بتكدّس الجثث في السابع من أكتوبر»، مضيفاً: «دُفنت الجثث بأكفان في الأرض وفق دفن إسلامي»

 توظيف سياسي لتمرير فتح معبر رفح

وفي كشف لافت، أقرّت صحيفة «هآرتس» بأن الإعلان عن العملية جاء لأغراض سياسية بحتة، حيث أشارت إلى أنه «على نحوٍ غير مألوف، نشر مكتب رئيس الحكومة والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بيانات عن العملية للبحث عن جثمان جويلي حتى قبل العثور عليه».

وأوضحت الصحيفة أن «السبب الحقيقي لنشر البيان، قبل تحقيق أي نتائج، اتضح بصورة نهائية قرب منتصف الليل، إذ نشر مكتب رئيس الحكومة بيانًا آخر بشأن الافتتاح القريب لمعبر رفح»

وأكدت أن «بيان جويلي كان يهدف إلى تليين الانتقاد العام لفتح المعبر الذي فُرض على بنيامين نتنياهو، والذي يجري الآن على خلاف وعوده السابقة».

 اعتراف بـ«تسوية تفرضها واشنطن»

وقالت صحيفة «هآرتس» إن «المرحلة الثانية من الاتفاق في القطاع، التي أعلن ترامب عن تنفيذها في منتصف الشهر، لا تنسجم مع واقع ما بعد الحرب كما رسمه نتنياهو لأنصاره».

وأضافت بوضوح: «في غزة تنتهي الحرب، في الوقت الراهن، بتسوية تفرضها الولايات المتحدة على إسرائيل، وهي بعيدة جدًا عن وعود الحكومة».

وأشارت الصحيفة إلى أن «نجاح حماس في العثور بنفسها على معظم القتلى المخطوفين، خلافًا لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، يكشف أمرين: أنّ سيطرة التنظيم على نصف القطاع الخاص به أكثر إحكامًا وتنظيمًا مما كان يمكن اعتقاده — وأن لديه مصلحة في التقدّم إلى المراحل التالية، لأن قادته يعتقدون أنّ هذه المراحل لا تبشّر بإقصائهم النهائي عن الحكم في غزة»

 حماس لا تزال في مكانها

وأقرّت «هآرتس» بأنه «رغم أن ترامب يتحدث حالياً بالفعل عن نزع سلاح حماس ويهدد بتدميرها إن لم تستجب، ما تزال حماس في مكانها: فهي تتوقع الحصول على دعم من قطر ومن تركيا تحت مظلة الاتفاق الذي صاغه الأميركيون، وتفرض ضرائب على كل بضاعة تدخل القطاع، بما في ذلك البضاعة التي تُهرّب من إسرائيل».

وفي السياق ذاته، اعترفت صحيفة «يسرائيل هيوم» بأن «حسم حماس سيستغرق سنوات أخرى، وسيتطلب حزماً عسكرياً وحكمة سياسية».

 انطباع الإخفاق الهائل لن يتبدد

ورغم محاولات التوظيف الإعلامي للحدث، أكدت «هآرتس» أن «انتهاء القضية لا يُضيء الحرب بصورة مختلفة»، مشددة على أن «انطباع الإخفاق الهائل — الاستخباراتي والعسكري والاستراتيجي — الذي أتاح المجزرة في غلاف غزة في 7 أكتوبر، لن يتبدد مع إعادة غوئيلي».

وأضافت أن «التعقيدات الأمنية في الساحات المحيطة لم تُحلّ»، مشيرة إلى أنه «في إيران لم يتضح بعد ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجه إلى هجومٍ يهدف إلى إسقاط النظام — في مواجهة قد تجرّ إسرائيل أيضًا إلى داخلها»

 انقسامات داخلية وضغوط أميركية

وكشفت «هآرتس» عن استمرار الانقسامات داخل حكومة الاحتلال، مشيرة إلى أن «الجناح اليميني المتطرف في الحكومة، الذي يواصل البقاء في الائتلاف رغم معارضته صفقات المخطوفين، يتصرف من دون أي تصور للمسؤولية المشتركة. وهو يهاجم نتنياهو الآن بسبب خضوعه لترامب».

وأشارت إلى أن «إعادة جثمان الأسير الأخير ستُسرّع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق الولايات المتحدة، وستُلزم أنصار نتنياهو والحكومة بمواجهة الواقع وبالمعنى الحقيقي للاتفاق — من بقاء حماس (في الوقت الراهن على الأقل) حتى انخراطٍ علني لقطر وتركيا في القطاع»

وختمت بالقول: «يحدث ذلك لرئيس الحكومة في وقتٍ أبكر بكثير مما خطط له. ويبدو أن فتح معبر رفح سيكون أصغر مشكلاته»

 "يسرائيل هيوم": محاولة لصناعة «نصر» من الفشل

من جهتها، حاولت صحيفة «يسرائيل هيوم» القريبة من نتنياهو تصوير الحدث باعتباره «نصراً مطلقاً»، حيث كتبت: «إن كان هناك نصرٌ مطلق — فهذا هو عودة رنّي».

لكنها أقرّت في الوقت ذاته بأن «إسرائيل دخلت مريضة إلى 7 أكتوبر، وبقيت مريضة أيضًا اليوم»، مضيفة أنه «سيستمر حسم حماس سنوات أخرى... كما سيستغرق إعادة إعمار البلدات، والأنفس، وقتًا. وألم القتلى، مدنيين وبالزي العسكري، لن ينتهي أبدًا.