نابلس - النجاح الإخباري - من القاهرة، تواصل “أكاديمية غزة الرياضية” عملها كأول مؤسسة شبابية فلسطينية خاصة مسجلة قانونيًا في مصر، لتشكل ملاذًا إنسانيًا ورياضيًا ونفسيًا لأكثر من 1600 طفل من أطفال غزة المتضررين من تبعات الحرب، في محاولة لإعادة بناء ما دمرته الصدمات النفسية والجراح العميقة، وترميم حق الطفولة في اللعب والحياة الطبيعية.

وفي حديثه لإذاعة صوت النجاح، أكد مؤسس الأكاديمية الدكتور فادي أبو سلطان أن المشروع لم يكن مجرد فكرة رياضية، بل انطلق كـ”رسالة وطنية وإنسانية تهدف إلى احتضان أطفال غزة ومساعدتهم على تجاوز آثار الحرب النفسية عبر الرياضة”. وأضاف أن الأكاديمية تأسست في يوليو/تموز 2024 على أسس علمية تجمع بين التربية البدنية وعلم النفس الرياضي، وتقوم على دمج أساليب التعافي بعد الصدمة ضمن التدريبات الرياضية اليومية، لخلق مساحات آمنة تمنح الأطفال الدعم النفسي والتفريغ الانفعالي.

وأوضح أبو سلطان أن الأكاديمية تستهدف بشكل رئيسي الأيتام، وأبناء الجرحى، والأطفال المصابين جسديًا ونفسيًا، مؤكدًا أن “لا يكاد يوجد طفل من أبناء غزة وصل مصر دون أن يحمل بداخله أثرًا نفسيًا عميقًا جراء ما شاهده وعايشه خلال الحرب”. وأشار إلى أن برامج الأكاديمية تشمل كرة القدم، والسباحة، وكرة السلة، إضافة إلى جلسات دعم نفسي منتظمة، ورحلات ترفيهية، ونشاطات تعليمية موسمية، تهدف جميعها إلى تعزيز التعافي وبناء الثقة والقدرة على الاندماج من جديد في الحياة اليومية.

وبيّن أن الأكاديمية تعمل حاليًا عبر أربعة فروع في مصر، بإشراف فريق يضم مدربين معتمدين، وأخصائيين نفسيين، وإداريين ومتطوعين، يعملون على توفير بيئة تربوية آمنة تحفّز الأطفال على التطور النفسي والرياضي، بعيدًا عن أجواء الصدمة والخوف التي لازمَتهم لسنوات.

وفي إطار خطط التوسّع، أعلن أبو سلطان عن التحضير لافتتاح أول فرع رسمي للأكاديمية داخل قطاع غزة خلال الفترة المقبلة، بهدف نقل تجربة الدعم النفسي والرياضي مباشرة إلى الأطفال داخل القطاع، لا سيما أولئك الذين لم يتمكنوا من مغادرته، وتعزيز برامج التعافي النفسي في المناطق الأكثر تضررًا.

وأشار أبو سلطان إلى أن نتائج العمل خلال عام واحد كانت “مبشّرة ولافتة”، إذ تمكن العديد من الأطفال من تجاوز حالات نفسية حادة والعودة إلى النشاط والحياة الاجتماعية، فيما أفرزت البرامج الرياضية عناصر واعدة تم إعدادها وتأهيلها للمشاركة في بطولات رسمية داخل مصر، حيث حصدت الأكاديمية مراكز متقدمة في بطولة “إمباير”، كما تم توقيع عقود احتراف خارجي لعدد من اللاعبين الناشئين، في خطوة تؤكد امتلاك الأكاديمية لكادر قادر على صناعة المواهب الفلسطينية رغم شح الإمكانيات.

في المقابل، أكد أبو سلطان أن الأكاديمية تواجه اليوم تحديات مالية كبيرة تهدد استمراريتها، موضحًا أن المشروع يعتمد منذ تأسيسه على التمويل الذاتي فقط لتغطية تكاليف مرتفعة تشمل استئجار الملاعب والمسابح، ورواتب المدربين والأخصائيين النفسيين، وتوفير الملابس والأطقم الرياضية الصيفية والشتوية، والمعدات الرياضية، إضافة إلى نفقات المواصلات لنقل الأطفال من وإلى الفروع، والمصاريف التشغيلية والإدارية.

وأضاف: “نحن نعمل بلا توقف طوال الأسبوع، وندير أربعة فروع تحتاج في كل منها إلى ملاعب ثابتة ومدربين متخصصين، ومعظم الكادر التدريبي من الأشقاء المصريين نظرًا لقلة المدربين الفلسطينيين المتخصصين المتواجدين في مصر، ما يضاعف عبء الرواتب والتكاليف التشغيلية”.

وحذر من أن استمرار الضائقة المالية قد يؤدي إلى تقليص الأنشطة أو تعليقها مؤقتًا، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على الأطفال الذين يعتمدون على الأكاديمية كـ”مساحة أمان أساسية للعلاج النفسي، والانتماء، والاندماج المجتمعي”، مؤكدًا أن توقف المشروع سيشكل انتكاسة قاسية لمسيرة تعافي مئات الأطفال الذين وجدوا في الرياضة نافذة أمل بعد سنوات من الألم.

وفي رسالته إلى المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية، دعا أبو سلطان إلى تكاتف الجهود لدعم الأكاديمية بشكل عاجل، قائلاً: “نحن اليوم لا ندير مشروعًا رياضيًا عاديًا، بل نواصل مهمة إنقاذ طفولة وتهيئة جيل قادر على تمثيل فلسطين مستقبلًا في المحافل الرياضية. البنية الرياضية في غزة دُمّرت بالكامل، ونحن نصنع من رحم الألم جيلًا يعيد حضور فلسطين في الساحات الخارجية ويثبت أن شعبنا يستحق الحياة والفرح والانتصار”.

ويؤكد القائمون على الأكاديمية أن استمرار هذا المشروع الإنساني يتطلب شراكات فعلية ودعمًا مستدامًا يضمن حماية ما تحقق حتى الآن، ويُبقي نافذة الأمل مفتوحة أمام أطفال غزة، الذين أثقلت الحرب أرواحهم قبل أجسادهم، لكنهم ما زالوا قادرين على الحلم بمستقبل أكثر أمانًا وعدلاً.