النجاح الإخباري - تتعمّق التحولات في المشهدين الإقليمي والإسرائيلي مع تصاعد النفوذ الأميركي المباشر في إدارة ملف غزة، وسط محاولات لإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. وفي المقابل، تعيش إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا داخليًا، مع تصاعد الانقسامات السياسية والبرلمانية واقترابها من انتخابات جديدة، بينما تبقى الحرب على غزة مستمرة بأشكال مختلفة رغم وقف إطلاق النار المعلن.
ويرى الكاتب والمفكر هاني المصري أن ما يجري حالياً يؤكد أن إسرائيل باتت "أداة تنفيذ" للسياسة الأميركية، وليست دولة مستقلة في قراراتها، موضحاً أن الولايات المتحدة أصبحت تحدد لتل أبيب أين تتحرك وأين تتوقف، وتفرض عليها قيوداً حتى في قراراتها الميدانية.
ويقول المصري إن "إسرائيل لم تكن يوماً صاحبة القرار الحقيقي، فمنذ نشأتها وهي مرتهنة أولاً لبريطانيا ثم لأميركا. ورغم الخلافات الشكلية بين الجانبين، تبقى إسرائيل الولاية رقم 51 في الولايات المتحدة".
ويضيف أن التدخل الأميركي في الحرب على غزة جاء لحماية المصالح الأميركية في المنطقة بعدما بدأت السياسة الإسرائيلية تضر بصورة واشنطن، قائلاً:
"إيقاف الإبادة لم يكن بدافع إنساني، بل حفاظاً على صورة الولايات المتحدة ونفوذها، لكن الحرب لم تنتهِ، بل تحوّلت إلى شكل آخر أقل كلفة سياسياً".
ويعتبر المصري أن إسرائيل تماطل في تنفيذ مراحل الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بنشر قوات عربية أو إسلامية بإشراف الأمم المتحدة، لأن الحكومة الإسرائيلية لا تريد قوة دولية ذات مرجعية خارجية، مشيراً إلى أن دخول تركيا إلى المفاوضات تم "بإرادة أميركية رغم رفض إسرائيل".
ويرى أن وقف الحرب جاء نتيجة ضغوط متعددة، منها الأزمة الداخلية الإسرائيلية، وغضب الدول العربية والإسلامية، وتراجع صورة إسرائيل في الغرب، لكنه يؤكد أن "الإبادة مستمرة بأشكال أخرى من خلال الحصار والتجويع ومنع الإعمار".
ويحذر المصري من الانخداع بالموقف الأميركي الذي يصفه بـ"غير الثابت"، مشيراً إلى أن واشنطن تسعى لفرض "سلام بالقوة" يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، لا الحقوق الفلسطينية.
من جانبه، يرى المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن إسرائيل تمر بمرحلة اضطراب داخلي غير مسبوق تجلّت في مشهد الفوضى والشتائم داخل الكنيست، والذي وصفه بأنه "ملخص لحال الانقسام في إسرائيل".
ويقول منصور إن الخلاف بين السلطات بلغ ذروته مع الصدام بين رئيس الكنيست ورئيس المحكمة العليا، حيث رفض الأول الاعتراف به في جلسة رسمية، ما دفع المعارضة إلى الانسحاب من القاعة، واعتبر ذلك مؤشراً على عمق الأزمة المؤسسية في الدولة العبرية.
ويضيف أن المشهد السياسي يسير نحو انتخابات مبكرة، رغم تأكيدات نتنياهو بأن الحكومة ستستمر حتى نهاية ولايتها، موضحاً أن عجز الحكومة عن تمرير الموازنة وقانون التجنيد، وتهديدات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالخروج من الائتلاف إذا لم يُقرّ قانون إعدام الأسرى، جميعها مؤشرات على اقتراب نهاية الحكومة الحالية.
"بن غفير بدأ حملته الانتخابية فعلياً بشعار إعدام الأسرى، ويستخدم التصعيد الداخلي لتعبئة جمهوره استعداداً للانتخابات المقبلة"، يقول منصور.
ويشير إلى أن تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الغرب، يعكسان عمق المأزق الداخلي الذي تواجهه حكومة نتنياهو.
ومع استمرار الغموض في خطة واشنطن، وتباطؤ تنفيذ مراحل اتفاق غزة، وتدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع، تبقى المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة من حرب مستمرة بأشكال متعددة.