النجاح الإخباري - زيارة المبعوثين الأميركيين، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وإجراء لقاءات مباشرة مع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، لم تكن مجرد سلسلة اجتماعات دبلوماسية، بل خطوة استراتيجية تستهدف تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الأسرى، مع رسم خارطة استقرار جديدة للقطاع.
وفي هذا السياق، تتقاطع المصالح الإسرائيلية والأمريكية، فيما يظل البعد الفلسطيني حاضرًا كعامل حاسم: من حقوق المدنيين إلى مستقبل المساعدات الإنسانية، مرورًا بخطر ترسخ واقع دائم في غزة، وتحول الخطوط العسكرية المؤقتة إلى حدود ثابتة.
في متابعة "النجاح الإخباري" للإعلام العبري، تكشف التطورات الأخيرة عن ديناميكيات معقدة تحكم العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين، في ظل ضغط أمريكي متزايد لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب لقطاع غزة. وتظهر مؤشرات جديدة على أن الولايات المتحدة تتجه لإعادة رسم معالم الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة في غزة، من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة تشمل إسرائيل ودولًا إقليمية، فيما تحاول حكومة نتنياهو الحفاظ على موقعها وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
التحركات الأمريكية وخطة المرحلة الثانية
وفق ما أوردت صحيفة هآرتس، وصل يوم الاثنين مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسرائيل لمناقشة المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية، التي تتضمن نشر قوة دولية لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، ونزع سلاح حركة حماس. هذه الزيارة تأتي قبل زيارة نائب الرئيس الأمريكي جاي. دي. فانس إلى المنطقة، في إطار مساعي واشنطن لضمان استمرار اتفاق وقف إطلاق النار وتجنب تصعيد جديد.
وأوضحت الصحيفة أن الولايات المتحدة تعتزم تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي لتحديد صلاحيات القوة الدولية الجديدة، بدفع من فرنسا وبريطانيا ودول عربية، مع تأكيد واشنطن على أن حماس لم تخالف الاتفاق حتى اللحظة، رغم بعض الخروقات الميدانية التي سجلها الجيش الإسرائيلي.
الضغط الأمريكي وتهدئة إسرائيل
في الوقت ذاته، نقلت هآرتس أن الحكومة الإسرائيلية تواجه وضعًا معقدًا بين الحاجة للرد على خروقات حماس وحرص الإدارة الأمريكية على استقرار الأوضاع، خصوصًا في ظل البحث المستمر عن جثامين الأسرى الإسرائيليين. وقد قررت القيادة السياسية اتخاذ خطوات محدودة لإرسال رسالة تحذيرية دون الدخول في مواجهة شاملة، مثل استهداف نفق في رفح وإطلاق النار باتجاه عناصر مسلحة، مع التزام بالإبقاء على مرور المساعدات الإنسانية تحت إشراف دولي.
وتوضح المصادر أن بعض الوزراء داخل الحكومة دعوا لاتخاذ إجراءات أكثر حدة، لكن نتنياهو ووزير جيش الاحتلال "كاتس" فضلوا تجنب التصعيد، مراعاة للعلاقات مع الإدارة الأمريكية ودول أوروبية وعربية. وحسب الصحيفة، تأتي هذه التهدئة ضمن سلسلة حسابات دقيقة، تشمل الزيارة المرتقبة لنائب الرئيس فانس، والتي تهدف لضمان استمرار تنفيذ خطة ترامب دون تعطيل عملية استعادة جثامين الأسرى.
تحول إسرائيل إلى لاعب ثانوي في الشرق الأوسط
تتسع أبعاد الخطة الأمريكية لتشمل تحول إسرائيل من الحليف الإقليمي الأوحد إلى لاعب ثانوي، وفقًا لما أوردته صحيفة يسرائيل هيوم. فالتحالفات الجديدة مع قطر وتركيا والسعودية، مع إشراك الرئيس التركي أردوغان في الملف الفلسطيني وضمن القوة الدولية، تضع إسرائيل أمام قيود غير مسبوقة في حرية الحركة العسكرية والسياسية، وتعيد توزيع النفوذ في المنطقة بشكل يضع واشنطن في موقع التحكم المباشر.
وأشار التقرير إلى أن هذه التغيرات قد تؤثر على التفوق النوعي العسكري لإسرائيل، حيث إن بعض الصفقات الدفاعية مع الدول العربية تشمل تقنيات قد تقلل من الحصة التكنولوجية الإسرائيلية، كما تمنح شرعية للمحاور الإقليمية الإسلامية التي كانت حتى الآن خارج دائرة النفوذ الأمريكي المباشر. ويضيف المحلل: “على إسرائيل أن تثبت قيمتها الاستراتيجية للولايات المتحدة، وإلا فإن التحالف التاريخي قد يتآكل في مرحلة حساسة”.
انعكاسات سياسية داخل إسرائيل
على الصعيد الداخلي، تظهر التقارير من هآرتس ويسرائيل هيوم أن الحكومة الإسرائيلية تعيش انقسامًا بين دعاة الرد العسكري القوي وأنصار الحذر السياسي، خاصة بعد مقتل جنديين إسرائيليين في رفح. ويسعى نتنياهو لضبط هذا التوازن، مع الاستعداد لاحتمال انتخابات مبكرة على خلفية أزمات قانون التجنيد وميزانية الدولة. وفي الوقت ذاته، تحاول الأحزاب الدينية المتشددة الاستفادة من الأزمة للعودة إلى الائتلاف عبر تمرير قوانين إعفاء موسّعة من الخدمة العسكرية.
فلسطينيا
بينما تعيد الولايات المتحدة هندسة العلاقات في الشرق الأوسط، يبرز سؤال أساسي حول مكانة الفلسطينيين في هذا المشهد الجديد. فإعادة توزيع النفوذ وتحويل إسرائيل إلى لاعب ثانوي، دون حضور فلسطيني حقيقي على الطاولة، يعني أن القضية الفلسطينية ستظل ملفًا أمنيًا قابلًا للإدارة وليس للحل. وفي ظل هذه التحولات، يبقى الضغط الدولي والمحلي على إسرائيل لضمان حقوق الفلسطينيين ومساءلة الانتهاكات في غزة أمرًا محوريًا للحفاظ على أي أمل في حل مستدام.