النجاح الإخباري - بعد عامين من الحرب على قطاع غزة، نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب من انتزاع اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، في خطوة وصفت بأنها انتصار دبلوماسي لواشنطن ومحاولة جديدة لإعادة تثبيت حضورها في ملفات الشرق الأوسط.
غير أن هذا الإنجاز، رغم أهميته، يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة ترامب على تحويل الهدنة إلى مسار سياسي مستدام، وسط شكوك في التزامه الطويل الأمد بمتابعة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العالم.
وقال آرون ديفيد ميلر، الذي عمل في إدارات أميركية متعاقبة من الحزبين، لوكالة فرانس برس: "أي اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وخاصة إذا تم التوصل إليه بشكل غير مباشر بين إسرائيل وحماس، يعد إنجازاً استثنائياً".
وأضاف ميلر، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "قرر ترامب أن يفعل شيئاً لم يفعله أي رئيس أميركي من أي حزب على الإطلاق، وهو الضغط على رئيس وزراء إسرائيلي بشأن قضية اعتبرها رئيس الوزراء حيوية لسياساته".
وحذر ميلر من أن المرحلة المقبلة ستواجه "عالم التعقيد والتفاصيل" المرتبط بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تتضمن بنوداً حساسة تتعلق بترتيبات الأمن والإشراف على غزة.
هدنة مؤقتة بانتظار المجهول
أعلن جيش الاحتلال أنه أوقف إطلاق النار عند الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت غرينتش يوم الجمعة، التزاماً بالاتفاق الذي يقضي بإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين، أحياء وأمواتاً، خلال 72 ساعة.
وقال ترامب إنه سيزور الشرق الأوسط الأحد المقبل، على أن تشمل الجولة مصر وإسرائيل، حيث تجري محادثات بشأن متابعة تنفيذ الهدنة.
فن الصفقة... من جديد
يرى مراقبون أن نجاح ترامب في إبرام الهدنة يشكل إنجازاً نادراً، خاصة وأن جميع الرؤساء الأميركيين خلال العقدين الماضيين فشلوا في تحقيق اختراق مماثل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لكن ترامب، الملياردير الجمهوري، يبدو أنه يسعى إلى ما هو أبعد من وقف إطلاق النار، إذ يطمح إلى إحياء "اتفاقيات إبراهيم" التي تم توقيعها خلال ولايته الأولى، والتي أقامت بموجبها الإمارات والبحرين والمغرب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، أعاد ترامب صهره جاريد كوشنر إلى فريق الإدارة، بالتعاون مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، للمشاركة في جهود التفاوض حول غزة.
وبحسب دبلوماسيين، استخدم ترامب مزيجاً من الضغط والإغراء السياسي مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، مستفيداً من علاقاته الوثيقة مع عدد من القادة العرب، بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للوصول إلى الاتفاق.
وقال ميلر إن ترامب لعب "دوراً حاسماً" في العملية التفاوضية، مشيراً إلى أنه "نجح في توظيف أسلوبه القائم على الصفقات السياسية لتحقيق مكاسب سريعة".
وقف النار... لا يعني السلام
ورغم الارتياح النسبي الذي رافق الهدنة، إلا أن الطريق نحو السلام الدائم ما زالت غامضة.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، عقب اجتماع أوروبي عربي في باريس: "وقف إطلاق النار ليس سلاماً دائماً بعد".
وفي السياق ذاته، كتب الباحث ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية الأميركي: "إن ما إذا كان هذا سيؤدي إلى إنهاء الحرب يظل سؤالاً مفتوحاً".
خطة ترامب من 20 نقطة
تواجه إدارة ترامب حالياً تحدياً يتمثل في تنفيذ خطة مؤلفة من 20 بنداً، تنص على نزع سلاح حركة حماس، وتشكيل قوة استقرار دولية، وإنشاء هيئة حاكمة جديدة في غزة لا تشمل الحركة.
وأكد ترامب في تصريحات الخميس أنه "سيكون هناك نزع للسلاح من جانب حماس وعمليات انسحاب من القوات الإسرائيلية"، مضيفاً أن "هناك إجماعاً حول معظم النقاط، فيما ستُحسم التفاصيل لاحقاً".
لكن مسؤولين أميركيين كباراً حذروا من أن نجاح الاتفاق يتطلب التزاماً واسعاً من الدول العربية في إعادة إعمار غزة، مشيرين إلى أن فريقاً من 200 عسكري أميركي سيشرف على مراقبة تنفيذ الهدنة.
بدوره، رأى ميلر أن الخطة "تعاني من ثغرات عملية"، أبرزها غياب آلية واضحة لإخلاء غزة أو نزع سلاحها، حتى في حال قبول حماس بذلك.
مجلس سلام برئاسة ترامب؟
وتتضمن الخطة أيضاً مقترحاً بتشكيل "مجلس سلام" مؤقت برئاسة ترامب نفسه، وهو ما رفضته حركة حماس بشدة.
وكتب روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "على الرغم من وصوله إلى الحكم راغباً في تقليص التزامات أميركا في الشرق الأوسط، إلا أن ترامب تولى الآن التزاماً ضخماً: المسؤولية عن خطة سلام ستحمل اسمه إلى الأبد".