وعد صالح - النجاح الإخباري - قصة إنسانية من نابلس تُعيد تعريف الشجاعة والأمل..

في أكتوبر الوردي، تتفتح حكايات الصمود على وجوه مختلفة؛ ويبرز وجه آخر للمقاومة التي اعتاد الفلسطيني أن يخوضها بصبر وإصرار، بالأمل والحياة.
في حين تتزين الحملات بالشعارات الوردية للتوعية بسرطان الثدي، نستذكر حكاية رجل كسرت الصمت والنمط معًا.

حكاية بطلها ماهر صالحالرجل الذي أثبت أن الشجاعة لا جنس لها، وأن السرطان لا يختار جسدًا دون آخر.

ابنته الصحفية وعد صالح التي تلقت أول دروس الحياة على يد أب كانت تراها بطلها الأول، هي اليوم متدربة في مركز إعلام جامعة النجاح، حين طلب منها أن تكتب قصة إنسانية كان والدها العنوان، وهذا ما كتبت:

"اليد التي تُعطي لا تموت… حكاية أبي “قاهر السرطان"

أنا ابنة ماهر صالح… الرجل الذي لم يعرف الاستسلام يومًا.

أكتب هذه القصة وقلبي يمتلئ بفخر لا ينتهي. أكتبها لأن أبي كان أكثر من أب… كان منارة أمل، ويدًا تمتد لتمنح الحياة، ورجلًا ترك في كل زاوية من هذه الأرض أثرًا طيبًا لا يُمحى. فكل حرف هنا يحمل قصة نضال… قصة رجل علّمني أن اليد التي تعطي لا تموت.

منذ طفولتي، كنت أرى في أبي مصدر طاقة لا تنتهي. كل شيء فيه كان مختلفًا… ضحكته، حضوره، حتى طريقته في مواجهة الحياة. كبر أبي في قرية فلسطينية بسيطة، كان الأخ الأكبر بين إخوته، يحمل المسؤولية منذ الصغر ويقف إلى جانب والديه في العمل والفلاحة. أنهى الثانوية العامة عام 1986 بتقدير جيد جدًا، لكن الظروف لم تسمح له بإكمال دراسته الجامعية، فاضطر للعمل مبكرًا، ثم سافر إلى الأردن باحثًا عن فرصة. ومع كل تحدٍ، كان يفتح بابًا جديدًا للحياة.

لم يكن أبي يعرف أن القدر سيقوده إلى معركة طويلة مع المرض نفسه الذي سرق منه والدته.

عام 2011، وبينما كانت العائلة تحتفل بعيد الأضحى، دخل أبي كعادته مبتسمًا، وجلس بيننا بهدوء، ثم قال: “أنا مصاب بسرطان الثدي”. لحظة لن أنساها أبدًا…

كنت صغيرة لا أفهم معنى السرطان، لكنني شعرت بالخوف من نظرات الجميع. كيف يصاب أبي، الرجل القوي، بهذا المرض؟!

وما زاد الذهول أن المرض الذي سمعنا عنه طوال حياتنا أنه “خاص بالنساء” أصاب أبي… رجلاً.

منذ تلك اللحظة بدأت رحلتنا معًا… رحلة الألم، والأمل.

قوة تُدرّس

بدأ أبي العلاج في المستشفى الوطني في نابلس. جلسات الكيماوي كانت قاسية، لكن أبي كان أقسى منها. لم أره يومًا يبكي أمامنا، بل كان يبتسم في كل صباح، يوقظنا لنخرج معه إلى الجبال والطبيعة. كان يقول لنا:

“هناك الكثير من الجمال حولنا… انتبهوا له”.

لم يكن يعتبر المستشفى مكانًا للضعف، بل ساحة معركة يخوضها بإيمانه. كان يزرع الأمل في كل من حوله، من المرضى إلى الأطباء. حتى الأطفال في الحي، كانوا يرونه بطلاً، لأنه رغم تعبه… كان لا يغيب عن أي نزهة أو ضحكة.

ذات يوم بشره الطبيب بأن انتصر على المرض وأن جسده تعافى تمامًا… فرحنا جميعًا، وتلاشى شبح الخوف وهاجس الموت. لكن القدر لم يمهلنا طويلاً، عندما ذهب إلى القدس لإجراء فحوصات إضافية (وكان يدخلها تهريبًا لأنه مرفوض أمنيًا)، كانت الصدمة الكبرى: أربعة سرطانات جديدة — في الكبد، العظام، الرئة، والثدي، كأن جسده أرض يهاجمها محتل غاشم.

محنة عصيبة ولحظات مرت ثقيلة خانقة… لكن أبي واجهها كما واجه كل شيء في حياته: بابتسامة وإصرار.

ابن نابلس وصوت الناس

لم يكن أبي مجرد مقاتل ضد المرض، بل كان ناشطًا مجتمعيًا بارزًا وأحد أعمدة العمل الشعبي في نابلس.

كان موجودًا في كل حدث، في كل فعالية، وفي كل شارع فيه صوت للناس. كان يحمل الكاميرا أحيانًا، ويشارك الإعلاميين في تغطية الأحداث الميدانية، وهذا ما ألهمني بدراسة تخصص الإعلام، وكان معروفًا بين أهالي المدينة بحضوره الإيجابي ومحبته للجميع.

ولأنه كان يؤمن بأن الكلمة والموقف لا تكفي وحدها، تطوّع أيضًا كـ مسعف أولي، فكان أول من يندفع لمساعدة الجرحى في المظاهرات والمسيرات ضد الاحتلال. كم من مرة رأيته يركض نحو الخطر، يحمل شابًا مصابًا أو يضغط على جرحٍ نازف… دون خوف.

كان يردد دائمًا: "إذا لم نكن سندًا لبعضنا… من سيبقى لنا؟

أبي… رفيقي في مارثون الحياة

علمني أبي كيف أسابق الزمن، كنا نواجه المرض معا. شاركنا في ماراثونات عديدة — منها ماراثون اليوم الوردي في رام الله وماراثون فلسطين الدولي في بيت لحم وأريحا والأردن. كنت أضع له قبعة كتب عليها “أبوي قاهر السرطان”، ونسير معًا وسط الزحام، وكأننا نعلن للعالم أننا سنهزم الألم.

كان أبي يرفض شراء أي منتج من شركات الاحتلال، وكان يقول: "لا أريد أن أعطي عدوي ما يغذيه". فمعركته لم تكن مع السرطان فحسب بل ارتبطت بكرامته وبلده.

علّمني أن التحدي ليس فقط في الجسد، بل في الروح أيضًا.

للقدر رأي آخر..

وكان للقدر رأي آخر، في 29 يونيو/حزيران 2018، رحل أبي، غادرنا جسدًا… لكن روحه ظلت بين جدران البيت ووجدان كل من عرفه، يتردد صدى ضحكاته في كل زاوية من البيت، أما صوته فظل في رأسي:

"أقاوم السرطان حتى أتذوق طعم الحياة، وأقاوم الاحتلال حتى أتذوق طعم الحرية".

ورغم الألم كأي بنت أقول: ليت الآباء لا يموتون .. كل ليلة، أحدّق في سقف غرفتي، وأتخيله بجانبي، يشجعني كما فعل دائمًا.

الوعي حياة

اليوم، ونحن في أكتوبر الوردي 2025، أكتب قصته لأقول شيئًا واحدًا: السرطان ليس حكرًا على النساء. نعم، الرجال أيضًا يمكن أن يُصابوا بـ سرطان الثدي. أبي كان واحدًا من هؤلاء الرجال القلائل.

لو كان قد تأخر في فحصه، ربما لم نكن سنحظى بكل تلك السنوات التي قاتلنا فيها معًا، ضحكنا، وتعلمنا دروس الحياة.

رسالتي اليوم كصحفية أنشر الوعي: "الفحص الذاتي الشهري، ومراجعة الطبيب عند ملاحظة أي تغير، يمكن أن يُنقذ حياة أب، أو أخ، أو ابن"

سرطان الثدي عندما يُكتشف مبكرًا تكون فرص النجاة مرتفعة جدًا — للنساء والرجال على حد سواء.

وإنني اليوم في ميدان العمل أحمل ثقافة أبي ووصاياه:

"انهضوا… تجرؤوا… لا تسمحوا للسرطان أن يصبغ حياتكم بالسواد"

أنا ابنة ماهر قاهر السرطان… وأنا شاهدة على أن الإرادة أقوى من المرض.

رحم الله ضحكته التي لا تُنسى، وبسمته التي لا تغيب، وجسده الذي تحت الثرى لكن لا يفارقني أبدًا.

أنا فخورة أنني ابنته… في حياته ومماته.