النجاح الإخباري - في قلب رام الله، وتحديدًا في قاعة مؤسسة عبد المحسن القطان، اجتمع عشرات الصحفيين والحقوقيين والمهتمين بالشأن الإعلامي للمشاركة في النسخة الثانية من ملتقى “لمة صحافة”. العنوان هذه المرة لم يكن تقليديًا، بل سؤالًا مفتوحًا على الوجود: “الإعلام الفلسطيني في زمن الإبادة: بين البقاء والذكاء”.
منذ الصباح الباكر، بدت القاعة أشبه بخليّة نحل. أصوات الميكروفونات، همسات المراسلين، شاشات الحاسوب، وعدسات الكاميرات التي تلتقط كل حركة. بدا الجميع مدركًا أن هذه ليست مجرد جلسة نقاش، بل لحظة تاريخية يحاول فيها الصحفي الفلسطيني أن يُعيد صياغة دوره وسط حرب لا تبقي ولا تذر.

فريق التدريب في مركز إعلام النجاح كان حاضرًا بقوة في كل الندوات والمحطات، يوثّق بالكلمة والصورة والفيديو كل ما تم تنظيمه، في تطبيقٍ عمليّ لأدوات الصحافة، وتجسيد حيّ لدور الجيل الجديد في حماية السردية الفلسطينية.

غزة… العنوان الأول

افتُتحت الجلسة الأولى بعنوان “غزة: الصوت من الميدان”. نقل صحفيون من القطاع شهادات حيّة عبر البث المباشر، رسمت صورة قاسية لواقع الإعلاميين هناك. أحدهم قال: “نكتب على الركام، نبحث عن إشارة هاتف لنبعث بخبر عاجل، بينما يطاردنا الموت في كل زاوية.”

كان الصمت يخيّم على القاعة مع كل شهادة. بدا أن الحاضرين لا يسمعون أخبارًا جديدة بقدر ما يلامسون الحقيقة المجردة: أن الصحافة في غزة صارت فعل مقاومة يومي، وأن الكلمة قد تُكلّف صاحبها حياته.

الفريلانسرز… الحلقة الأضعف

خصصت جلسة أخرى لمناقشة أوضاع الصحفيين المستقلين (الفريلانسرز). هؤلاء الذين يشكّلون عصب التغطية الميدانية في كثير من الأحيان، لكنهم يفتقدون أي غطاء قانوني أو مؤسساتي.
أحد المتحدثين أشار: “الفريلانسر اليوم يقف على خط النار بلا درع. لا راتب ثابت، ولا تأمين صحي، ولا حتى عقد قانوني يحميه.”

هذا النقاش فتح بابًا واسعًا حول الحاجة إلى أطر تنظيمية جديدة، تعترف بهؤلاء وتؤمن لهم الحد الأدنى من الحماية والكرامة المهنية.

قد تكون صورة ‏‏‏٩‏ أشخاص‏ و‏نص‏‏

الإعلام العبري… معركة الرواية

من أبرز المحاور التي أثيرت كذلك قضية الإعلام العبري وتأثيره على الساحة الدولية. فقد ناقش المشاركون كيف تتمكّن الرواية الإسرائيلية من التسلّل إلى وسائل الإعلام العالمية، وكيف يمكن للإعلام الفلسطيني أن يواجهها.
تم طرح مقترحات بضرورة إنشاء منصات رصد وتفكيك للرواية العبرية، وإنتاج محتوى مضاد يفضح التلاعب بالحقائق.

التكنولوجيا… بين الخطر والفرصة

قد تكون صورة ‏‏‏‏١٦‏ شخصًا‏، و‏مِنبر‏‏ و‏تحتوي على النص '‏دبالغراو کبالغراف بالشرا لمة صحافة عمار جاموس باحت حقوتي من الهينة المتثلة خقوف الإنسان مدیر الم والاعلام لحقو سباح وتد صحفية ومد ومدرية من الناصرة مُلتقی لمّة صحافة الثاني عبد الله زماري باحتف الاعلاموالرأي العام ခ راهيم ربايعة أكادبي رباحت الصحافة في ظل التحول الرقمي تطلعات وتحديات P도 D‏'‏‏

التطور التكنولوجي لم يكن غائبًا عن النقاش. جلسة بعنوان “التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي” طرحت أسئلة صعبة: هل ستساعد هذه الأدوات الإعلام الفلسطيني على الانتشار وحماية ذاكرته؟ أم ستبتلعه خوارزميات الشركات الكبرى التي تحدد ما يظهر وما يُخفى؟

إحدى الصحفيات الشابات قالت: “الذكاء الاصطناعي قد يكون سلاحًا بأيدينا إذا أحسنا استخدامه، لكن الخطر أن نُترك على هامش الفضاء الرقمي، حيث تختفي قصصنا في زحام الأخبار.”

المؤسسات الإعلامية… تحديات البقاء

النقاش لم يغفل أزمة المؤسسات الإعلامية الفلسطينية. ممثلون عن عدة مؤسسات أشاروا إلى أن قلة التمويل والدعم يهددان استمرارهم. ومع ذلك، اتفقت المداخلات على أن الاستثمار في هذه المؤسسات ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية السردية الفلسطينية.

قد تكون صورة ‏‏٥‏ أشخاص‏

أصوات من القاعة

ما ميّز “لمة صحافة” هو التفاعل. لم تكن الجلسات مغلقة على المتحدثين، بل تحوّلت إلى حلقات نقاش مفتوحة.
إحدى المشاركات من الحضور سألت: “كيف يمكن أن نحمي الصحفيين من الاستهداف الميداني بينما لا يوجد ضغط دولي حقيقي؟”
أجاب أحد الحقوقيين من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان: “الحماية تبدأ من توثيق الانتهاكات بدقة، ومن ثم تحويلها إلى ملفات قانونية على المستوى الدولي. مسؤوليتنا أن نكون جسرًا بين الميدان والمحاكم.”

لمة تجمع وتُذكّر

في ختام الملتقى، وقف مدير مؤسسة “لمة صحافة”، محمود حريبات، مؤكدًا: “هذه المساحة ليست مجرد لقاء سنوي. إنها تذكير للعالم أن الصحفي الفلسطيني ليس مجرد ناقل للخبر، بل شاهد على التاريخ وصانع لذاكرة جماعية لا يمكن محوها.”

خرج المشاركون برسالة واحدة: أن الصحافة الفلسطينية اليوم ليست مهنة تقليدية، بل معركة بقاء. الكاميرا والميكروفون والدفتر، جميعها تحوّلت إلى أسلحة مواجهة، لا تقل خطورة عن أي سلاح آخر.
وبينما يواصل الصحفيون في غزة عملهم من بين الأنقاض، جاء “لمة صحافة” في رام الله ليقول إن الكلمة لا تزال حيّة، وإن الذكاء الجمعي للصحفيين قد يكون الطريق الوحيد لحماية الحقيقة وسط زمن الإبادة.