نابلس - النجاح الإخباري - أكثر من 232 يوماً مرت على أهالي قطاع غزة، في حرب هي الأشرس والأعنف والأخطر منذ الحرب العالمية الثانية، فالمواطنون يهربون من الموت إلى الموت، ومن البؤس للمآسي، قصص وحكايات مرعبة وكأنك تشاهد فيلما أو سلسلة من الحلقات لمسلسل رعب، طالت نهايته، قصص ومآسي لا تعد ولا تحصى عاشها الرضيع وهو في رحم أمه، للطفل الذي لم ينطق بعد، ولم يعرف معنى اللعب واللهو، إلى شيخ أفنى حياته وشبابه وشيخوخته في بناء بيت العمر، وفي غمضة عين أصبح رمادا.
هذه غزة، العزيزة على القلوب، الصامدة المكابرة العظيمة المعلمة الملهمة، هي غزة التي تغيرت ملامح الذكريات فيها، وعطشت الحارات فيها رغم بحرها الذي يلامس ثوبها برفق.. هي غزة التي احتضنت المتعلمين والمثقفين والطموحين والصابرين والمقاومين وحفظة القرآن.. هي غزة التي تلقت صفعات عديدة في حروب سابقة كنا يُعتقد أنها الأصعب،، لكنها كانت مجرد تهيئة لأهوال ومآسي ومشاهد من القتل والتدمير التي حدثت وتحدث حتى يومنا هذا.. كانت مجرد بداية " لأهوال يوم القيامة"..
قد تضيع القصص ولا تحكى بموت أصحابها. ولكن من نجا بجسده، لم ينجو بقلبه المتعب ونقل صورا قد لا يتخيلها العقل البشري عن بشاعة إجرام الاحتلال وجنوده المتعطشين للدم والقتل والتدمير والانتقام..
خلال فترة العدوان الذي بدأ بوحشية.. تصاعدت وتيرته وانتقل الأمر من مجرد قصف وقتل بطائرات الاحتلال إلى حرب إبادة بكل ما تعنيه الكلمة، من تجويع وحصار وقطع للتيار الكهربائي والماء والوقود.
فكان الجوع والنزوح والموت من شدة الوجع والألم وشح المواد الطبية..
حين كان المواطنون يهرعون بأيديهم وإمكانياتهم البسيطة لمكان قصف للتو.. يفجعون لهول المشهد، أشلاء تطايرت هنا وهناك وتناثرت معها الرحمة.. أطراف بترت لأطفال رضع.. رؤوس فصلت عن أجسادها وهي نائمة لم تكد عينها تغمض.
أما رحلة النزوح الأصعب، فإلى جانب الخذلان حملوا ما تمكنوا من أغراضهم وأمتعتهم وخيبتهم،، ومشوا مسافات لم تقوى أجساد الشباب على تحملها فكيف لنساء وشيوخ وأقدام أطفال على ذلك.. عدا عن المذلة والإهانة والتعذيب خلال رحلة النزوح..
أحزمة نارية.. تحرق كل شيء كالبركان الهائج.. تفتفت بنايات شامخة وتسوييها أرضا فباتت رماداً.. أما الذكرى فهي فقط بالقلب والذاكرة..
في غزة.. لم تكن المستشفيات والمراكز الصحية، مكانا للعلاج والأمان وتطبيب الجراح. فكانت مأوى للنازحين والمشردين،، حتى أصبحت هدفا "فحاصروا المستشفيات وقصفوها واعتقلوا وقتلوا من فيها.. وتركوا الأطفال الخدج لحتفهم ينتظرون..
في غزة ترتكب مجازر بالعشرات في كل يوم.. وتحصد أرواح المئات بين شهيد ومصاب...
في غزة.. عائلات مسحت من السجل المدني.. وقد تجد طفلا نجا بأعجوبة.. وربما قدرة إلاهية لها حكمة في زمن قادم..
في غزة.. تقتل العائلة أمام أعين أطفالها.. وتفجع الأم باستشهاد أبنائها ولا تعرف على من البكاء واللطم..
في غزة.. عادوا من حيث تم اعتقالهم. جثثا داخل أكياس ويمنع فتحها أو حتى معرفة هوية أصحابها.. لتدفن في قبور جماعية.. وكم من مجهول واجه هذا المصير.. واندثر
في غزة.. تكدست جثامين الشهداء ونهشهتها القطط والكلاب.. نبشت القبور.. وسرقت الجثث.. ودفن بعضها بين القمامة..
في غزة.. عاد من نجا من الأسر ولكنه لم ينجو من عذاب نفسي وجسدي سيبقى ملازمه طيلة حياته...
لم تنجو النساء من عذابات الأسر والتعذيب ولم يخطر على بال أحد متابع للقضية الفلسطينية أن النساء في فلسطين يتعرضن لأبشع صنوف العذاب... ولم يتحرك ساكنا ولا منقذا ولا مخلصا لفعل شيء لها..