أحمد الشنباري - النجاح - منذ أن حصل على شهادته الجامعية التي أرهقته أربع سنوات واستنزفت ما تبقى من حيلة والديه، حتى أصبح العقل لديه حقل أفكار تراوده طيلة ليله، وأمام شاشته الصغيرة التي تضيء وجهه، يرى نفسه مديراً او مدرساً وحتى ممرضاً، لكن سرعان ما يفوق من أحلام يقظته مع إشراقة صباح اليوم الجديد، ليصدق ذاك المثل الذي يقول" كلام الليل يمحوه الصباح" .

هذا الحال يعيشه الكثير من الشباب في قطاع غزة، ومع دخول ساعات النهار وبعد العصر يجدون متسعاً لهم، فلا الجيوب ممتلئة تمكنهم من نزهه ولا بالهم أكثر راحة، لكن وحدها أرصفة الشوارع، قد تهون عليهم وضعهم المأسوي، فإن تجولت في شوارع غزة من شمالها إلى جنوبها فلا يستغرب القاطن بمن يتشبث بأرصفة الشارع وعلى قضبان الحديد الملونة بالأحمر والأبيض، وهناك ثلاثة أصناف تحتل الرصيف: الأول، الأمن وأجهزتها المكرّسة ليل نهار إلى امتلاك المزيد والمزيد من الفضاء العام بصور مختلفة، عن طريق آلات مزرعة فوق الأرصفة ،والثاني أشجار وأعمدة كهرباء وهاتف وغيرها من الأعمدة التي تمتلئ بها الأرصفة. أمّا النوع الثالث، فهو مشهد أصبح من أوجه المدينة اعتاد عليه الشباب لإكمال صور المدينة المعتمة ليلاً والحزينة نهاراً.

شبابٌ ترى في وجوههم حكايات تخبرك عن أحلامهم وطموحاتهم وبساطة عيشهم، فبعيداً عن استثنائية الجلسة لدى البعض، فجلوسهم ما هو إلا هروب من جدران أربعة أربكت وأزعجت ليلهم.

الشاب أحمد شبات يقول" اعتدنا بعد العصر أن نتجمع ونجلس بالقرب من هذا الموقف نتحدث ونتكلم كثيراً، ولا نسبب إزعاجاً لأحد" مضيفاً أصبحنا نملُ كثيراً من مواقع التواصل الاجتماعي والاخبار التي تعكر صفونا، ونحاول أن نجد مكاناً نجتمع فيه بعيداً عن المنازل وهمومها اليومية".

أما ياسر والذي يجلس أمام صالون الحلاقة يقول "تخرجت من الجامعة قبل عامين ومنذ ذاك الوقت وأنا أسير على روتين شبه يومي، فبعد العصر لا أجد سوى هذا المكان لأجلس فيه مع رفاقي واصدقائي، مضيفاً حين أرى المارة وهمومهم يهون على ما مر به من عدم إيجاد فرصة عمل وعدم القدرة على الزواج".

وأضاف "وين بدنا نروح وإذا فكرنا بمكان ما فا نجد ما يكفي من المال فهذه الجلسة أهون بكثير من الشاليهات وغيرها".

ولا يختلف كثيرا الشاب محمد نصير فالجلوس على الرصيف يجعله يهرب من واقعه المؤلم وهموم بيته التي تلازمه، أملا في أن يجد ما يملأ فراغ يومه من عمل بعد أن تخرج من جامعته قبل 3 أعوام.

من جهتها قالت الأخصائية النفسية والاجتماعية إسلام المصري لمراسل النجاح الاخباري" أن توجه الشباب للجلوس في أرصفة الشوارع وجنبات الطريق قد لا تكون هدفاً أكثر منه سلوكاً اعتادوه، مشيرة إلى أن الجلوس في الأماكن العامة بشكل عام، يشعر الشخص بالراحة أكثر من الأماكن المغلقة".

وحول سؤالنا عن كونهم طلاباً جامعيين قالت" شعور الخريج الجامعي في الرغبة بتحقيق الذات والحصول على عمل بعد أربع سنوات من الدراسة، أصبح حلم بالنسبة له في ظل الأوضاع التي يمر بها قطاع غزة، لذلك جلوسه على رصيف الشارع يجعله يتكيف أكثر مع الظروف التي نعيشها، ويهرب إلى الأمام مع محافظته على مرونته في التكيف مع المشكلات المحيطة به.

هموم ومأساة الخريجين في قطاع غزة تزداد يوماً بعد يوم في ظل الانقسام البغيض الذي أرهق جميع مناحي الحياة في القطاع، في ظل إصرار حركة حماس على عدم تمكين حكومة الوافاق الوطني لتقوم بمهامها كما هو الحال في الضفة الغربية، وتنفيذ مشاريع خاصة بالشاب والخريجين.