أسراء بشارات - النجاح - مساحات صفراء شاسعة، يتوسطها مجموعة من الخيام بتبعثر منظم،مكونة من قماش لا يقي من برد الشتاء القارس ولا يحمي ساكنيها  من لفحات الشمس الحارقة، وفرش منزلي من أغطية ومساند  توارت بالتراب ليخفي معالمها، وأدوات طبخ من بضع أواني من حديد ، وبركسات  تحوي  مواشي سكان الخربة التي يتعدى عدد سكانها 85 مواطناً ، محاطة هذه الخيم بثلاث مستوطنات اغتصبت أراضي الخربة ( مستوطنة حمدات، روعيه، بقعوت)، إنها خربة مكحول القابعة شرق محافظة طوباس.

 ابتدئ عبد الرحيم بشارات أحد سكان خربة مكحول قصته المشبعة بالمعاناة والقهر ويقول: "هذه أراضي فلسطينية، ونحن موجودون هنا قبل مجيء الاحتلال، نرعى المواشي ونزرع هذه الأراضي ونأكل من ثمرها ولم نحتاج يوما مساعدة من أحد، ولكن وبعد قدوم الجيش الإسرائيلي واحتل هذه الأرض يحاول التضييق علينا بجميع السبل وهذه سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال للترحيل والاستيلاء على الأرض، وجميع هذه المضايقات من مطاردة المواشي ومن سياسات الهدم والانتهاكات الليلية التي لا تمد للإنسانية بأي صلة، تهدف لإجبار  المواطن الفلسطيني على التهجير القسري وترك أراضيه.

ويبين السيد بشارات سياسة الاحتلال في هدم الخيم " لقد تعرضنا للهدم أكثر من سبع مرات وفي كل مرة يتعمد الاحتلال بداية فصل شتاء من كل عام وفي الليالي الظلماء والبرد القارص يأتي بالياته العسكرية من جبات مدنية وآلات مدرعة والمئات من الجنود المدججين بالسلاح ، على العلم أن هذه الخيم مكونة من خشب وقماش تقتلعها الرياح بكل سهولة، ولا يحتاج إلى كل هذه الآليات العسكرية ولكن يكمن كل ذلك لترهيب الفلسطيني وإجباره على ترك أراضيه، فتبدأ سلسلة الهدم باقتلاع الخيم على رأس ساكنيها ويمنعوا أي مساعدات من الصليب الأحمر أو الجهات المعنية بتقديم خيم جديدة لنا ، و أخر اعتداء بالهدم   كان في شهر شباط  من العام (2016) والذي استمر قرابة  (16يوماً ) ونحن نفترش الأرض ونلتحف السماء، وكلما نقوم بوضع قطعة بلاستيك لنحتمي بها من الأمطار يأتي الجيش ويقوم بانتزاعها عنا ، حتى بركسات المواشي لم تسلم منهم،  ويأتي كل ذلك بحجة أن هذه أراضي عسكرية".

الهدم ليس الطريقة الوحيدة التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي لنيل من المواطن الفلسطيني، ولكن لقمة العيش ومتطلبات الحياة الصعبة تجبر المواطن على تحمل كل اعتداءات الاحتلال .

تروي لنا  السيدة أم معاذ زوجة  عبد الرحيم  والألم يعتصر قلبها عن إحدى الاعتداءات التي تعرضت لها من قبل قوات الاحتلال:" قبل يومين  وفي المساء كنت نائمة أنا وأبنائي وإذا بجنود الاحتلال فوق رأسي،  لقد قاموا بتصحيتنا بسلاحهم واعتقلوا ثلاثة  من أبنائي وقاموا بتكبيلهم بالحديد  وضربهم أمامي، وتم نقلهم إلى إحدى المستوطنات القريبة منا، دون إبداء أي أسباب عن اعتقالهم  كالعادة ولم يفرجوا عنهم إلى اليوم  ناهيك عن مضايقاتهم لنا في كل ليلة لتفتيش الخيم وتركنا لساعات في البرد خارجاً.

 وتضيف أم معاذ لقد قمنا  بزراعة الشجر بالقرب من خيمنا واهتممت بالشجر كما تهتم الأم برضيعها حتى كبر فكل مرة كانوا يأتوا بها إلى هنا كانوا يذهبوا ويراقبوا الشجر حتى أثمر  فيأتوا   بجرافاتهم الملعونة  ويقتلعوا الأشجار وأنا انظر إليهم وكأنهم يقتلعون أحشائي  فهم يعتقدون بفعلتهم هذه أو تلك سنترك لهم أرضنا ونذهب ولكن لا يحلمون بذلك فانا قمت بزراعة الأشجار من جديد وسأهتم بها لتكبر  .

التعليم سلاح أمتنا:

الطفلة صمود  ابنة الحادي عشر تظهر البسمة على وجهها فينا وتغيب فينةً أخرى تتحدث عن معاناتها في الذهاب إلى المدرسة كل يوم:" كان يوجد في منطقة الحديدية القريبة منّا مدرسة نذهب لنتعلم بها، إلّا أن الاحتلال قام بهدمها ومنعنا من بناءها مرة أخرى فاضطررنا نذهب لنتعلم في مدارس القرى القريبة منا، يأتي باص قام بإستإجاره أهالي الخربة  في الساعة الخامسة صباحا يقلنا إلى مدارسنا، ولكن الحاجز يقف كل يوم غصة أمامنا يتعمد كل مرة لتأخيرنا عن المدرسة أحيانا نصل ويكون  الدوام الحصة الثانية ، ناهيك عن أيام المطر نغوص بالطين ونتبلل من مياه الأمطار قبل وصولنا للباص  وفي أيام الهدم تضيع كتبنا المدرسية تحت أنقاض الخيم ، ولكن مهما فعل الاحتلال بنا سنبقى نتعلم ونبني مستقبلنا.