النجاح - رأى الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في إسرائيل والرئيس الحالي لمعهد أبحاث الأمن القومي "عاموس يدلين"، أنَّ تل أبيب تواجه، عقاب أزمة الحرم القدسي الشريف، ومن ثمَّ مقتل أردنيين على يد رجل أمن إسرائيلي في السفارة الإسرائيلية في عمان، حال من التراجع في السيادة الإسرائيلية على الأقصى، الأمر الذي يطرح أسئلة عدَّة حول استخلاص العبر.

ويقول "يدلين": إنَّ الحاجة تتطلب تشكيل لجنة تحقيق واستخلاص عبر تساعد المجلس الوزاري الأمني المصغر، الذي اتَّخذ قراراته بشأن أحداث الأقصى، في كيفية إدارة الأمور في حال وقوع أزمة شبيهة في المستقبل، يؤدي إلى خروج إسرائيل  دون أيّ إنجاز أمني أو سياسي.

ودعا يدلين أيضاً إلى إجراء تحقيق لا يقتصر على المجلس الوزاري المصغر، بل على القضايا الجوهرية والمبدئية والأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. وقال: «منذ وقوع عملية الأقصى ومقتل شرطيين إسرائيليين، كان ينبغي تحديد أهداف واضحة والبحث عن كل نقطة زمنية أثناء تطور الأزمة، ومراجعة ودراسة القرارات التي اتُّخذت إزاء المنفعة والمخاطر المحتملة، التي تنطوي عليها سياسة المجلس الوزاري والأعمال المتخذة بناء عليها».

في سياق متصل،خرجت ورقة تقييم لأداء الكابينت الإسرائيلي تتعلق بأزمة بوابات الأقصى، التي انتهت الشهر الماضي بسحب الاحتلال للبوابات الإلكترونية، والتراجع عن غالبية الإجراءات التعسفية مع تسليم وقبول بغالبية مطالب المرجعيات الدينية في القدس، باستنتاج مفاده أنَّ السيادة الإسرائيلية في الحرم القدسي قد تضرَّرت، كما تراجعت هيبة إسرائيل وقدرتها على الردع، وبالتالي هناك حاجة لإعادة قراءة لهذا الأداء ووضعه على المحك في مواجهة النتائج التي انتهت إليها الأزمة. 

ومن أبرز ما خرجت به الورقة التي أعدَّها "مركز أبحاث الأمن القومي"، القول إنَّ مثل هذه الأحداث يمكن لها أن تتكرر مستقبلاً، وبالتالي ينبغي تحديد استراتيجية واضحة لما تريده إسرائيل، وما الذي ينبغي القيام به. وتحدِّد الورقة وجود حالة شلل لمجلس الأمن القومي الذي يفترض فيه أن يمد الكابينت بالمعلومات والسيناريوهات المختلفة والتداعيات المرتقبة لكل حالة من هذا النوع. وتشير الورقة إلى أنَّه على الرغم من كل الضرر الذي لحق بإسرائيل في إدارتها للأزمة، إلا أنَّه ينبغي تسجيل حقيقة أنَّ تحذيرات أجهزة الشاباك والاستخبارات من خطر اندلاع حريق في الشرق الأوسط وانفجار انتفاضة ثالثة لم تتحقق، كما أنَّ الدول العربية لم تلتفت إلى ما يحدث لاشتغالها بما يحدث في أوطانها. وفي جانب النتائج السلبية، تقرُّ الورقة بأنَّه إلى جانب تضرر "السيادة الإسرائيلية" في الحرم القدسي، والتي باتت اليوم أشبه بأمر ضبابي غير واضح المعالم، فإنَّ الأزمة أدَّت إلى توتر شديد مع الأردن، وتوتر في العلاقات الداخلية مع الفلسطينيين في الداخل. مسألة تعود إليها الورقة عند مرحلة التوصيات لتربط في هذا السياق كلاً من الحركة الإسلامية الشمالية المحظورة (التي كان يقودها الشيخ رائد صلاح) مع كل من حركة حماس وتركيا، باعتبارها أطراف حرَّضت حسب تعبير الورقة على التعبئة والتصعيد من الجانب الفلسطيني. وكما في قراءات استراتيجية سابقة، ترى الورقة أنَّ إسرائيل عمليًّا لا تملك استراتيجية واضحة، ولا تعرف ماذا تريد، أو ما الذي تريد تحقيقه في حال اندلاع أزمات مشابهة، وأنَّها كما تمَّ في حالة أزمة الأقصى الأخيرة، وضعت الأولوية الأولى للاعتبار الأمني، ولم تأخذ، في الأسبوع الأول على الأقل، بعين الاعتبار باقي الاعتبارات الاستراتيجية المتعلقة بالعلاقات مع الأردن، ومع الدول العربية الأخرى.

وتقترح الورقة، لاعتقادها باحتمال تكرار مثل هذه الأزمة، تحديد سلسلة من الأهداف التي ينبغي تحديدها مسبقًا: أولًا "ضمان الأمن"، أمن المصلين والزوار. ثانياً احتواء الحدث أو الأزمة، ومنع انتشار التوتر والمواجهات إلى مناطق الضفة الغربية، ومنع التصعيد في العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي. والهدف الثالث هو المحافظة وتعزيز العلاقات بين إسرائيل ودائرة الدول التي تشاطرها المصالح المشتركة في المنطقة، وتذكر في هذا السياق السعودية ودول الخليج ومصر والأردن، مع تغييب واضح للسلطة الفلسطينية. رابعاً المحافظة على قوَّة الردع الإسرائيلية، وتكريس حجم القوَّة الإسرائيلية وتجسيد الثمن لعمليات ضد إسرائيل. والهدف الخامس هو تكريس شرعية دولية للممارسات الإسرائيلية مع التركيز على التوافق والاتفاق مسبقاً مع الولايات المتحدة، وأخيراً والأهم، السعي لتحصين السيادة الإسرائيلية في الحرم القدسي، ومسؤوليتها عمّا يحدث في الحرم القدسي- في المنظور الأمني، إلى جانب تحديد مجالات صلاحيات دائرة الوقف الإسلامية، ومكانة الأردن، كما تمَّ على أرض الواقع منذ العام (1967). 

وتقرّ قراءة "مركز أبحاث الأمن القومي"، بأنَّه من الواضح أنَّ قرار نصب البوابات الإلكترونية تمَّ من دون أي حوار مع الأوقاف أو أي تنسيق مع الأردن أو السلطة الفلسطينية أو مصر، وهو ما منح "أعداء إسرائيل" قدرة على التحرك لضرب الأوضاع السائدة وخلخلتها وفق ما قامت به كل من حركة حماس وتركيا وقطر والحركة الإسلامية، بهدف تصعيد الأوضاع. وبحسب الورقة، فقد بدا واضحًا أنَّ إسرائيل لا تملك تصورًا أو استراتيجية ولا حتى نفسًا طويلًا لمواجهة حالة احتجاج شعبية سلميَّة تتجاوز مدتها الأسبوع، وهو ما يفسر في نهاية المطاف الرضوخ لمطالب المحتجين أمم بوابات المسجد الأقصى من دون وضع سيناريو لمحاولة كسر المحتجين نفسيًّا وإجبارهم على العودة للمسجد والصلاة فيه من دون الخضوع لمطالبهم. والمفارقة بحسب التقرير هي أنَّ جريمة قتل المواطنين الأردنيين، في شقة تابعة للسفارة الإسرائيلية في عمان هي التي منحت حكومة بنيامين نتنياهو فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، من خلال قرار يأخذ بالحسبان أهمية العلاقات مع الأردن، وهو ما فسر القرار النهائي بالرغم مما ينطوي عليه من مس لقوة الردع الإسرائيلية وسيادتها الجزئية في المكان.