نابلس - د.مؤيد حطاب - النجاح - كرست عوامل مختلفة امتدت عبر مراحل الحكم العربي والاسلامي إلى ترسيخ العقل النقلي وجمود المعرفة، دون الفكر النقدي المعرفي. في هذه السلسلة أحاول البحث عبر التحليل النقدي عن أهم الاسباب التي ساهمت بذلك، وكيف تغيرت وسائل الفكر وطرق المعرفة في العالم العربي إلى أن وصلت لهذا الجمود الذي نشهده اليوم.

في المقال السابق تم التطرق إلى المنظومة الشمولية في العالم العربي في مرحلة الاستعمار وكيف أسهم تَشارك المصلحة داخل المنظومة الشمولية، أي التي تجمع مركزية الدولة وعقلية رجال الدين وثقافة المجتمع، في منع إنتشار نظرية المعرفة وعلومها، وإضطهاد المخالف وتحجيم أفكاره.  فمنظومة الإستبداد تخشى من أثر دعوات المنهج النقدي والفكر الحر كونها تؤدي لإستقلال الفرد والمجتمع عن جميع أشكال التبعية والإنغلاق. فكما ذكر الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، فان المستبد ترتعد فرائصه من العلوم العقلية كالفلسفة، والحقوق، والسياسة المدنية، والآداب كونها "توسع العقول وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها" ويضيف قائلا ان "علماء الاستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد، كما حولوا معنى الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على الحاكم".  لقد لامس الكواكبي في هذا القول ما كنا قد أشارنا له في مقالنا السابق من هذه السلسلة بوجود تناغم بين السلطة المركزية في الوطن العربي مع رغبة العقلية الدينية التقليدية في رفض المنهج النقدي، وذلك لأن كلاهما كان يخشى ذهاب قدرته في توجيه عقول العامة وإدارتهم. وبالتالي أشار الكواكبي إلى أهمية تحرير الفرد وتوثيق الكرامة الانسانية، والإهتمام بالعلوم العقلية الداعمة للمنهج المعرفي، كمقدمة للنهضة الحضارية.

إن ما نبه إليه الكواكبي هو ما إلتقطه الغرب عندما انتقلت إليه كتب إبن رشد، وبدأت حركة التنوير ونقد العقل. فكانت أول مراحل التقدم في تلك الدول هو الخروج عن الموروثات والخرافات الفكرية المتأصلة في ثقافتها الدينية والاجتماعية والعلمية، والاهتمام ببناء الفرد الانسان والفكر الحر، عبر الاهتمام بالعلوم العقلية ووسائل المعرفة خصوصا مناهج البحث الحديث الذي يفرض التفكير الناقد بشكل تراكمي ومستمر. من هنا ذهب الفيلسوف كانط للقول بأن التنوير هو إعمال العقل في مواجهة الموروثات، كما أنه عرّف القصور العقلي بكونه التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي. وبهذا يمكن القول بأن تعريف كانط للتنوير هو مرادف لمصطلح العقل النقدي الذي أطلقناه في هذه السلسلة من المقالات، كما أن مصطلح العقل النقلي هو مرادف لتعريف كانط للقصور العقلي. إنه نفس النهج الذي دعا له القرآن عندما حارب الموروث وطالب الناس بنقد الذات وتحرير العقل كما بينا ذلك في مقال سابق (النهوض). بالطبع لم تستقبل أوروبا الدعوات للعقل النقدي، والخروج عن قول السلف بالترحاب، بل دخلت في تصادم عنيف بين المفكرين والفلاسفة من جهة، وسلطة الدين والتقاليد من جهة اخرى. فكما شهد ومازال يشهد العالم العربي رفضا سياسيا وثقافيا ودينيا لكل الدعوات التجديدية- كالتي أطلقها الأفغاني، وعلي عبد الرازق، وفرج فودة، ومحمد شحرور، ونصر حامد أبوزيد، وغيرهم الكثير- بحجة أنها تخالف الدين واقوال السلف وإجماع الأمة وثقافتها، فان المجتمع الغربي في بداية نهضته كانت قد واجه نفس الحالة.

فالتعصب للموروث الديني الذي يتبناه الافراد أو نظم الحكم، تمنع التقدم المعرفي والحضاري، لأنها ترفض الفكر النقدي والمعرفي. وقد كانت الكنيسة ورجالها تعتبر أن تعاليم الكتاب المقدس والنور الذي يقذفه الله في أقوال أصحاب المسيح والعلماء من بعدهم، هو منهج الحياة الحق، وأن المسيحية دين ودولة ونظام حياة، شامل ومكتمل. وبالتالي لاقت الأفكار الفلسفية والعلمية مواجهة من الكنيسة بنفس القدر الذي كفّر العقل الاسلامي التلقيني إبن سينا والفارابي وغيرهم بحجة مخالفتهم للمعلوم من الدين بالضرورة. حتى صراعات الكنيسة المشهورة مع إكتشافات العلماء في ذلك العصر، كما حدث لجليولو، لم تكن بسبب رفض المسيحية للعلم، بل لأن تلك العلوم والإكتشافات كانت، وفق نظر رجال الدين، تخالف ما نَزلَ من حق في الكتاب المقدس، وتتعارض مع تعاليم الدين القطعية. إنها تعيد الى الاذهان ذلك المنطق المتعصب للمورث الذي واجهه الخوارزمي وإبن حيان وإبن فرناس وغيرهم ممن أعتبرت علومهم في الكيمياء والفلك والفزياء هي شعوذة وسحر، لا بارك الله بأصحابها.

إن العقلية التي ترفض العلم أو الفكر العقلي لأسباب دينية، تتحد في منهجها التلقيني الرافض للعقل النقدي، وإن إختلف مسميات عقائدها الدينية. فجمود العقل في الفكر المسيحي سمحت لإعدام سيرفيت، وكوبرنيكوس، على أساس أنهما زنادقة، وهي نفس الحجة التي سمحت بقتل إبن المقفع والحلاج. فالفكر المتعصب، خصوصا إذا تم تبريره بنصوص دينية، تجعل الملتفين حوله يشعرون بالارتياح لتجمعهم معا، ويدفعهم مشاعر "الاخوة" الذي تشكل بينهم على رفض كل من يخالفهم، فلا يشكل التنكيل بإنسانية المخالف لهم أي شعور بالشفقة او تأنيب الضمير. ومن هذا المنطلق نجد كيف تعامل الغرب في القرن السابع عشر مع كل من تم اتهامه بالسحر والشعوذة، وكيف تم استخدام النصوص الدينية لتبرير محاكم التعذيب التي تعرض لها كل من تم الاشتباه به، حتى أن ضمائر الناس لم تشكوا من مشاهد التعذيب والقتل التي فاقت كل خيال. جاء ذلك بعد انشار كتاب "مدق الساحرات" الذي كتبه أحد رجالات الكهنوت البارزين، وألّب من خلاله عواطف الناس الدينية ضد السحر والسحرة. وفي تبرير أعمالهم اللاإنسانية من إحراق وتعذيب، وحتى تتمكن الدولة وسلطة رجال الدين من إخضاع الناس لإرادتهم وتمرير سلوكهم ضد من اتهم بالسحر، كان لابد من استجداء نصوص ذات سلطة فوق بشرية، أي النصوص الإلهية، كي تجعل من أي معترض عليها محارب لله وممتنعا عن الخضوع لأمره المقدس. وهذا الدور قام به الكاتب سار توماس بروان حين كتب يقول ان إنكار السحر يعد بمثابة تجديف او الحاد، وان الدليل على وجدود السحر مسطور في التوراة، مع تحذير قاطع لإبقاء أي ساحرة على قيد الحياة، وهو امر الله الصريح في كتابه المقدس، فإنك إذا استقبحت إحراق الساحرات مع معرفتك أنهن ساحرات فانت إذا كافر بالتوراة وانت بالتالي ملحد (انظر كتاب عالم تسكنه الشياطين-كارل ساجان).  

هكذا تم الاستدلال بنصوص الدين لقمع الاخرين، بل وتكفير كل من حدثته نفسه بالاعتراض على ذلك الفهم، حتى ان من يعترض على إحراق الساحرات كان يعاقب، وأحيانا يحرق معهم. ذلك لان تعذيب وحرق الساحرات هو تنفيذ لأوامر الله التي جاءت بها النصوص الدينية الواضحة والقطعية في الدلالة والمعنى، وبالتالي لا يعترض على حكم الله إلا من كان زنديقا او مبطنا لإلحاده.  إنه نفس المنطق الذي يسوقه أصحاب الفكر الديني المتعصب في كل عصر وزمان مهما تنوع مذهبهم أو اختلفت عقائدهم. ومن هنا يمكن ان نتفهم لماذا لاقت دعوة إبن رشد في ضرورة إعمال الفكر الحر، وإستقلال مصدر المعرفة العقلي عن مصدر الوحي، قبولا عارما في الغرب، وتبناها الفلاسفة والعلماء حتى عضّوا عليها بالنواجذ، بعد ان رفضها الفكر الإسلامي وقام بإحراقها.

لم يتمكن المجتمع الغربي، في تلك المرحلة، من فصل الحقيقة العلمية عن الموروثات الثقافية أو النصوص الدينية، وبالتالي لاقت صراعات الكنيسة مع اكتشافات العلماء مواجهة دينية واجتماعية عنيفة، بنفس القدر الذي سيواجهه أي مسلم يعتبر أن الحقيقة العلمية والدينية ليست مركبة بل مستقلة. فالمنطق السائد في عالمنا الإسلامي اليوم مازال يعيش محاججة علم الأحياء بالنصوص الدينية، ومازالت الثقافة الجمعية ترفض الاعتراف بعلم المخطوطات على الموروثات، أو التسليم بأن الكرة الأرضية لم تغرق بفيضان نوح، أو أن جناح الذباب كله ضار، أو أن المرأة لم تخلق من ضلع الرجل الأعوج، أو أن آدم لم يكن أطول البشر، أو أن الأبل والتمر لا يشفي من المرض، وغيرها من الإعتراضات الدينية على العلم حتى وصل في بعض المجتمعات وبعض رجال الدين، رفضهم قبول كروية الأرض، استسلاما لأقوال السلف المذكورة في كتب العصر العباسي.

في المحصلة إستمر الصراع في أوروبا بين المفكرين والمجددين طويلا مع العقل النقلي حتى تغلبت مناهج الفكر النقدي وتقبلها الوعي الجمعي للمجتمع، ثم بدأت الأصوات النقلية والتي كانت تتبادل الدعم والنفوذ مع السلطة الحاكمة، بالإنحصار والتراجع. كانت لدعوات الفيلسوف ’بيير‘ بالمساواة والحرية، ونظرة المفكر ’جان لوك‘ لطبيعة العقد الاجتماعي، الأثر الكبير في إنتصار المعرفة، وإطلاق الحريات، وبالتالي تمكن العقل الحر من القدرة على الإبداع والتفكير خارج صندوق الموروثات. لكن أهم الأسباب التي أسست لتلك النقلة النوعية، هو تطور نظرية المعرفة في صفوف العلماء والفلاسفة والمجتمع حتى أصبحت تكبر وتتسع بشكل سمح لهم بإخراج ثروة فكرية وعلمية هائلة ما زالت تمد الإنسانية بكنوزها. إنها ثورة فكرية لم تتوقف عند محاربة الفكر التقليدي الجامد، بل تمتد لتشمل مفهوم الحريات، ومنع الاستبداد، وحق المواطنة والكرامة، ومنع الفساد، وفصل السلطات، وحق الشعب في المحاسبة والحصول على المعلومة. إن نظرية المعرفة- والتي سنأتي لشرحها في مقال لاحق- بالإضافة إلى إطلاق الحريات الفكرية، كان لها الدور الأساس في تعزيز ثقة الفرد بقدراته على الإنتاج العلمي والمعرفي لدى الغرب، بينما تم محاربتها في العالم العربي عبر مراحل التاريخ المختلفة حتى العصر الحالي.  فما هو المقصود بالحرية الفكرية، وما دورها في التقدم العلمي والحضاري؟ هذا ما سنبحثه في المقال القادم.