ماجد هديب - النجاح - لا يخلو تاريخنا العربي والإسلامي القديم منه والحديث من التجارب المريرة مع دول الاستعمار  الأوروبي نظرا لما قد مارسته تلك الدول من نفاق سياسي معها, حيث  من البديهي جدا أن تقوم تلك الدول الاوروبية أو حتى غيرها من دول العالم بدور مشبوه لصالح قوة أخرى ، او أن تزعم إحدى هذه الدول صداقتها ودعمها لنا، ثم نكتشف في النهاية أنها كانت معول هدم لمشروعنا الوطني ، او أن نجد بان التناقضات بين الدول الغربية يمكن أن تتلاشى  فجأة وذلك بعد ان يتم حلها على حساب قضايانا العربية  ،وهناك من النماذج ما لا تعد ولا تحصى ,ولكن غير البديهي ، ولا يمكن تقبله ،ومهما كانت المبررات ،لأنه لا يخرج عن حدود المنطق والمعقول  فقط ,بل يتجاوز إلى حد التفكير بالانسلاخ عن الذات هو ان يتقدم معظم  فئات وشرائح الشعب الفلسطيني  السياسية والاجتماعية الصفوف على الدول العربية في ممارسة سياسة النفاق هذه رغم انه ما زال يخضع للاحتلال ،ولعلني اجد الجرأة بالقول بان الجبهتين الشعبية والديمقراطية هي من تتقدم  الان على تلك الفئات والشرائح في ممارسة هذا النفاق ،ليس نتيجة  اتفاق الجبهتين مع حركة حماس على إعادة تشكيل نقابة المهندسين في قطاع غزة على قاعدة المحاصصة فيما بينهما، وانما لموقفها بشكل عام من الانقسام السياسي والانقلاب على السلطة.

لعله من الغرابة أن يصبح النفاق السياسي ثقافة متداولة في أوساط المجتمع الفلسطيني ,حيث أصبح هذا النفاق منتشرا وظاهرا للعيان، ولم ينصب هذا النفاق على قوى وفصائل العمل الوطني والإسلامي  فقط ,وإنما على كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني, بل إن المقزز في الأمر أن تصبح مؤسسات المجتمع المدني هي الأخرى اشد نفاقا وأصبحت تتسابق في نفاقها مع تلك الفصائل استمرارا لحالة درج الشعب الفلسطيني وللأسف على اعتياد ممارستها ،حيث ان تاريخ المجتمع الفلسطيني تاريخ حافل بهذا النفاق رغم ما وصل إليه من مستوى تعليمي متقدم ,وعلى الرغم أيضا من حالة الصراع التي تتقاذفه بكل اتجاه ,بل وربما كانت حالة النفاق هذه هي نفسها التي أدت بهذا الشعب إلى أن تتقاذفه الرياح السياسية بكل اتجاه  رغم ما قدمه وما زال يقدمه من تضحيات جسام ،لأنه لم يفلح ونتيجة لممارسته لهذا النفاق وتخبط قيادته بان يكون أداة صعبه يفرض على الدول الاستعمارية والدول العربية أيضا  أن تتعامل معه كشعب صاحب حق وقضية.

في التاريخ الفلسطيني الحديث مثلا لا يمكن لعاقل ان ينسى موقف الأحزاب العربية وحركة القوميين العرب المتذبذبة في فلسطين أبان مرحلة الحرب العالمية الأولى، فهل يمكن لنا ان ننسى نفاق هؤلاء السياسي للقطبين المتصارعين، فتارة يعلنون تأييدهم قولا وعملا للإنجليز، وتارة أخرى لا يخفون تعاطفهم مع الدولة العثمانية؟ ,وهل يمكن لنا ان ننسى ايضا  الحرب الثانية وانسلاخ الشعب عن موقف قيادته تجاه الأحداث الدائرة بين الدول المتصارعة وعدم اتخاذ موقف يستطيع من خلاله فرض رؤيتهم لحل مشكلة فلسطين؟, وهل نسينا ظهور بعض الأحزاب الموالية لملوك وامراء بعض الدول العربية، ومنها الولاء لسياسات وتحالفات متناقضة مع مصالح الشعب الفلسطيني ومتضاربة أيضا مع نضاله في أعقاب الحرب الثانية ، مع عدم اتخاذ الأحزاب الأخرى موقفا من هذه الأحزاب رغم ما ساهمت به من شق لوحدة الشعب الفلسطيني  وذلك حرصا منهم على   ان تبقى قصور  ملوك وامراء العرب  مفتوحة أبوابها لهم ،وهدا ما أضاع حكومة عموم فلسطين وأنهى تجربة أولى من بلورة الكيانية الفلسطينية؟.

إن ما يعيشه المجتمع الفلسطيني اليوم هو نموذجا مصغرا للحالة الفلسطينية   لكل تجارب النفاق الذي مارسته القيادات الفلسطينية السابقة من استقلاليين ،ودفاعين ،وحسينيين ونشاشيبين وان اختلفت المسميات اليوم، فاذا ما كانت بعض الأحزاب والقوى الوطنية قد غازلت الانجليز والصهيونيين والهاشميين في سنوات العقد الأربعيني وعززت الانشقاق الفلسطيني تعزيزا  لزعامتها التقليدية على حساب القضية القومية ,فان أحزابنا وقوانا اليوم هي الأخرى قد مارست اشد أنواع النفاق السياسي ,بل وساهمت في شق وحدة الشعب الفلسطيني ارضاءً لأجندات خارجية وذلك لمساواتها بين الضحية والجلاد ,بين سلطة تسير نحو دولة مستقلة وان اختلفنا معها سياسيا ،وقوة انقلابية تسير بالقضية والشعب ليس إلى أحضان أنظمة دفعنا ثمنا غاليا للخلاص من تدخلها في قرارنا والخلاص من التبعية لها فقط وانما تسير بنا نحو قاع لا خروج منه بهوية ولا وطن.

 إن النفاق السياسي الذي تمارسه بعض قوى فصائل العمل الوطني والإسلامي أمر غير مقبول، ولا يمكن لنا أن نتفهمه، ومهما كانت مبرراته، ومهما كانت الأسباب الموجبة إليه أيضا، لان ممارسة تلك الفصائل للنفاق السياسي، سواء وفق أجندة خارجية أو في محاولة منها لتغليب المصالح الحزبية والفئوية الضيقة على مصالح الشعب العليا هي بمثابة معول هدم، ليس لمشروعنا الوطني فقط، وإنما تهديدا للكيان والهوية الفلسطينية والنسيج الاجتماعي.

إن انتهاج النفاق السياسي في العلاقة بين فصائل العمل الوطني أدى لتدمير الحياة السياسية وكان العامل الجوهري في تعميق الشرخ بين حركتي فتح وحماس ولا يخفى على المتتبع للشأن الفلسطيني الداخلي أسلوب تلك الفصائل المبطن بتصريحات قيادييها المغلوطة وما ترمي تلك القيادات إلى تحقيقه جراء الانقسام بين شطري الوطن والخلاف بين اكبر فصيلين , بل أن تلك الفصائل ومهما حاولت أن تخفي سياستها الدنيئة فان سياستها مكشوفة رغم تظاهرها بالدعوة إلى الوحدة، لان باطن تلك الدعوة لم يكن إلا خبث منها ونفاقا اعتادت عليه اعتقادا منها أن هذه الأساليب سيكسبها حيزا واسعا وجماهيرا عريضة.

 لقد ساوت تلك الفصائل بين المجرم الذي يسعى لشطب الآخرين عملا وسياسة مع الضحية، وساوت السلطة الشرعية مع قوة انقلابية رغم اختلاف كل منهما بالمفهوم والمضامين، بل والأنكى من كل دلك أن ان تلك الفصائل قد عمدت على إدانة الطرف الذي رفض الدخول في أتون الحرب الأهلية وفضل الانسحاب من مواقع السلطة هربا من الصدام وسيل الدم لمحاولة الحفاظ على ما تبقى من معالم قضية لشعب يحاول التحرر والاستقلال.

إن لم  تعمل  تلك القوى والأحزاب  على اسقاط النفاق السياسي من برامجها ،واذا لم تسارع بالبحث عن القواسم المشتركة لكافة فصائل العمل الوطني وكافة شرائح وطبقات هذا الشعب بالوفاق والاتفاق فان التاريخ الفلسطيني سيعيد نفسه حتما، فكما ألغت الأحزاب والقوى السياسية في سنوات العقد الأربعيني وحدة الشعب وعملت على إنهاء حكومة عموم فلسطين كتجربة للكيانية الفلسطينية الأولى ، فإن قوانا السياسية اليوم ومؤسسات مجتمعنا المدني تسير هي أيضا نتيجة ممارستها للنفاق السياسي نحو إلغاء تجربتنا الكيانية الثانية وهي السلطة الفلسطينية.

 لن احمل في مقالي دعوة لمن مارس وما زال يمارس نفاقه السياسي بالتراجع عن ممارسة هذا النفاق لان فاقد الشيء لا يعطيه ,ولأنني أدرك حتما بان الجسد الفلسطيني سيلفظ تلك القوى والفصائل من جسمه كما يلفظ الجسم ما فيه من بقايا  دم  فاسد ,خاصة وان الفلسطينيين باتوا يعلمون بعد اكثر من عقد من الفرقة والخلاف بين حركتي فتح وحماس من هي تلك الفصائل   التي تدعو   بإخلاص إلى وحدة الشعب والتي تحمل أيضا أجندة وطنية صرفة  ،ومن هي تلك الفصائل التي تتقاطع أجندتها مع المحتل أو مع دول إقليمية لتحقيق مصالح فئوية وحزبية ضيقة.

ما احمله وأدعو له هو ضرورة ان تتظافر كافة الجهود للانطلاق بإجراءات عمليه لصياغة ميثاق وطني فلسطيني شامل تتفق عليه كافة فصائل وقوى العمل الوطني وكافة مؤسسات المجتمع المدني، وعلى كافة الفصائل أن تلجا إلى الشعب لممارسة ضغوطه على من يرفض الوفاق والاتفاق على أرضية القواسم المشتركة بالتحرر وبناء الدولة ،مع ضرورة العمل أيضا على محاصرة هؤلاء الذين اعتادوا على ممارسة النفاق السياسي لعرقلة دواليب التحرك نحو الوفاق والاتفاق لان الاتفاق الأخير بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية مع حركة حماس على تشكيل مجلس لنقابة المهندسين في قطاع غزة  بعيدا عن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لن يكون الاتفاق الأخير  على قاعدة المحاصصة  فيما بينهما ،وانما هو  مقدمة لاتفاقات أخرى ،ولكن يمكن القول بان هذا الاتفاق هو بمثابة اخر مثال والى الان على إصرار الجبهتين  بعدم التوقف عن   ممارسة  سياسة هذا النفاق.