أكرم عطا الله - النجاح - آخر ما ينتظر الفلسطينيين بعد كل هذا التاريخ الطويل من الصراع والثمن الدامي أن يعود بهم الأمر الى ما قبل عام 67 كما تكشف عنه الاقتراحات الأميركية الجديدة ذات الجذور والهندسة الاسرائيلية فقد كشف الاقتراح الأميركي بعرض الكونفدرالية على الرئيس الفلسطيني أن عملية التسوية لم تعد قائمة وأن حل الدولتين قد تم قبره وأن اسرائيل تريد أن تعود الضفة الغربية تحت الوصاية أو التبعية الأردنية وغزة لمصر.

ان أخطر ما في هذا الاقتراح ليس ما يمكن أن يتم تجاهله من سلوك اسرائيلي تمكن ببراعة من تجاوز كل الاتفاقيات التي تنص على أن يتفاوض الطرفان للوصول لحل الدولتين وتمزيقه حتى دون أن يشعر العالم لقد فعل ذلك بشكل انسيابي دون أن ينتبه هذا العالم الذي أشرف ورعى ومول عملية التسوية بل أن الأخطر أن اسرائيل لم تعد ترى بالفلسطيني جديراً بأن يحكم نفسه هذا بعد تجربة الحكم الطويلة نسبياً منذ منتصف تسعينات القرن الماضي.

لمن كان يراقب انزياح اسرائيل نحو قومية دينية تتعانقان لإستيلاد فكرة أرض اسرائيل ويهودا والسامرة كان له أن يتوقع منذ سنوات أن هذا الانزياح هو على النقيض تماماً لاخلاء الضفة الغربية والقدس ولكن لا يمكن اعادة احتلال الضفة وحكم الفلسطينيين نظراً للعبء السكاني والديمغرافي لذا كان على اسرائيل أن تخترع حلولاً كانت موجودة منذ قصة الوطن البديل وشرق الأردن فيما يتعلق بالضفة أما قطاع غزة الذي أشغلتنا فيه لسنوات طويلة سابقة فله قصة أخرى بأن يتم دفعه بعيداً بأي سيناريو لا يهم سواء سيناريو المسئولية المصرية أو سيناريو الكيان الفلسطيني.

يتضح المشروع الاسرائيلي بما لا يقبل مجالاً للشك ولم تكن قصة الكونفدرالية اقتراحاً عابراً ولا ينبغي التعاطي معه باستخفاف باعتباره واحدة من شطحات السياسة الأميركية أو الاسرائيلية لا يهم بل أن تلك تمثل عصارة الفكر الاسرائيلي والتصور الذي تراه أو ما يجب أن يكون كحل وإن كانت تلك قد طرحت كفكرة على الرئيس الفلسطيني لكنها في الحقيقة تشكل بالون الاختبار الأولى لهذا التفكير المدجج بامكانيات القوة لتنفيذ ما يفكر مستغلاً ذروة الضعف الفلسطيني بعد أن تمكن من فرض ما يكفي من الحقائق استيطاناً وتهديداً كما تفعل اسرائيل وفي ملف القدس واللاجئين كما تفعل أميركا انه فعل متكامل للاجهاز على ما تبقى من المشروع الوطني.

اسرائيل تريد أن تأخذ ما تريد من الضفة بدء من القدس والمستوطنات وتلقي بما تبقى من الاحمال الزائدة من السكان الى الأردن كما ألقت غزة بعيداً وفي هذا ليس مساساً بالحقوق الفلسطينية فحسب كما تقول الأردن بل مساساً بالدولة الأردنية التي تريد اسرائيل أن تضع أغلبية مطلقة من الفلسطينيين في تلك الدولة بين الحدود العراقية والاسرائيلية وأغلب الظن أنها بعد ذلك ستعيد رسم المشهد الأردني لصالح فكرة الوطن البديل وإن لم تفعل فعلى الأردن أن يتكفل بحماية حدود اسرائيل .

لكن الأهم والذي علينا أن نراه دون أن نخدع أنفسنا أن ما فعله الفلسطينيون بأنفسهم هو أنهم قد وفروا المناخ المثالي لهذا السيناريو وأن الواقع على الأرض يشكل بيئة مناسبة فالضفة وغزة منطقتان متباعدتان جغرافيا وسياسياً وفي السنوات الأخيرة علينا أن نعترف أن هذا التباعد أصبح ثقافياً ونفسياً وأن ما يتم انتاجه من وعي في كل منطقة مختلف تماماً عن المنطقة الأخرى فكل ما حدث لم يكن مصادفات ولم تكن الأصابع الاسرائيلية بعيدة عنه وهي ليست بعيدة عن الاستعصاء الحاصل في المصالحة ولم يكن نجاح الانقسام مصادفة ولم يكن فشل المصالحة أيضاً مصادفة فكل شيء محسوب وصولاً لأن تصبح كل منطقة ليست كالأخرى وكما قال جنرال اسرائيلي أن ليس هناك سياسة اسرائيلية واحدة تجاه الفلسطينيين لأن بكل منطقة سياسة مختلفة وتلك حقيقة لكن اسرائيل لديها سياسات لكل الفلسطينيين بالجملة.

الوقت ينفذ والمشاريع والفعل الأميركي يتقدم ويحاصرنا واذا لم نتدارك لعبة ربع الساعة الأخيرة بانهاء هذا التشرذم سنكون قد كتبنا بأنفسنا شهادة وفاة المشروع الوطني بكونفدرالية أو غيرها لكن من يخرج من الصورة وينظر الينا من مسافة سيرى أننا أقل كثيراً من أن يحسب لنا حساب وتلك هي الحقيقة...!!!