نابلس - النجاح - يقول خبراء إن الإفراط في التفاؤل يمكن أن يعرقل المشاريع ويعرض الصحة للخطر، لكن القدر المناسب منه يمكن أن يدفعك بشجاعة نحو تحقيق النجاح.

ويعتبر التفكير الإيجابي سمة مميزة للتطور، لأنه يسهل عملية تصور ما يمكن تحقيقه. وهذا يسمح لنا بأن نكون شجعانا ومبدعين في آن واحد. وتختلف مستويات الانحياز للتفاؤل باختلاف حالتنا العقلية وظروفنا الراهنة، وهناك أيضا طرق لكبح جماح هذا الانحياز والحد منه، أو لرفع مستوياته. وهذا أمر مفيد، لأن الإفراط في التفاؤل يمكن أن يؤدي إلى الاستهانة بالمخاطر. إذ أن إدراكك للموقع الذي تحتله على سلم التفاؤل يمكن أن يساعدك على التكيف مع تحيزك، وربما يقودك إلى اتخاذ خيارات أفضل.

هناك افتراضان يشكلان أساس حالة الانحياز للتفاؤل: أولا، أن نمتلك سمات إيجابية أكثر مما يتوفر للشخص العادي. ثانيا، أن يكون لدينا نوع من السيطرة على العالم من حولنا. وتقول شيلي لاسليت، الرئيسة التنفيذية لشركة "فيتاي كوتش" ومقرها سيدني، والتي تستخدم علم الأعصاب والتكنولوجيا في التدريب على إدارة الأعمال: "لم يكن الجنس البشري ليتطور من دون التحيز للتفاؤل".

وتعزو لاسليت الفضل في التحيز للتفاؤل باعتباره الصفة التي تقودنا إلى تجربة أشياء جديدة رغم أنها قد تكون صعبة، لأنه يوفر لنا قدرا معينا من الثقة بأن الأمور ستسير على ما يرام. كما يحمينا من القلق من كل ما يتصف بعدم اليقين، مثل المستقبل.

وتقول تالي شاروت، أستاذة علم الأعصاب الإدراكي في كلية لندن الجامعية، إن الأمر الأكثر إثارة للدهشة في هذا التحيز هو أنه "مقاوم في مواجهة الواقع". وعلى الرغم من الأحداث السلبية غير المتوقعة التي تحدث معنا أو نشاهد حدوثها سواء في الأخبار أو لأشخاص آخرين، فإن الأحداث الإيجابية هي التي تترك الانطباع الأكبر على نظم قناعاتنا. إننا "نتعلم بشكل أفضل" من الأشياء الجيدة التي تحدث حولنا، وهذا يجعلنا نستمر في التحيز الايجابي. في حين نميل إلى التقليل من مصداقية الأشياء السيئة، بل أن البعض يتجاهلها تماما.

لكن الإفراط في التفاؤل يمكن أن يؤدي إلى تقييم المخاطر المحتملة بشكل يفتقر إلى الدقة والصحة، ولعل خير مثال على ذلك هو استخفاف المخططين بالميزانيات والأطر الزمنية. وقد يعني التحيز للتفاؤل أيضا عدم الاهتمام بالحصول على تأمين، أو عدم ارتداء خوذة أثناء ركوب الدراجة، أو ربما الإصابة بفيروس كورونا بسبب اللامبالاة وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

وتوضح شاروت، التي ألفت عدة كتب عن التفاؤل: "يقول لسان حال الأشخاص الذين لديهم تحيز للتفاؤل: 'سأفعل الشيء الصحيح من خلال اتخاذ الاحتياطات، وبالتالي سأكون أقل عرضة من الآخرين لاحتمال التقاط العدوى بفيروس كورونا'". وتضيف: "قد يعتقدون أيضا أن صحتهم أفضل من الأشخاص العاديين، أو أن لديهم جينات تجعلهم أكثر مقاومة."

وينتشر التحيز للتفاؤل بشكل متساوٍ بين سكان العالم، لكن الثقافة تلعب دورا من خلال تأثيرها على مدى اعتبار الناس أنفسهم متفائلين أو متشائمين. وتوضح شاروت أنه في الثقافات التي يعتبر فيها التفاؤل أمرا جيدا، مثل الولايات المتحدة وأستراليا، من المرجح أن يعرّف الناس أنفسهم على أنهم متفائلون. وفي ثقافات مثل فرنسا، والمملكة المتحدة إلى حد ما، من المرجح أن يقولوا إنهم واقعيون، أو حتى متشائمون. لكن الاختبارات تثبت أن لديهم في الواقع تحيزا للتفاؤل".

ووجد الباحثون أن التحيز للتفاؤل يعود لطبيعة الشخص ولنشأته. وتظهر الدراسات التي أجريت على التوائم، على سبيل المثال، أن الدور الذي تلعبه الجينات تتراوح نسبته ما بين 30 إلى 40 في المئة، بينما تستأثر التنشئة بالباقي. وهذا أمر مفيد، لأن إدراك حجم الدور الذي يلعبه الانحياز للتفاؤل في حياتك، وتعلم كيفية التأثير على مستوياتك الخاصة من هذا الانحياز يمكن أن يساعدك على الاستفادة من إيجابياته وتجنب سلبياته.

ويرتبط التفاؤل أيضا بالنجاح في مجالات متعددة، سواء كان ذلك في مجال الأعمال أو السياسة أو الرياضة. ويميل الرؤساء التنفيذيون إلى أن يكونوا أكثر تفاؤلاً من الأشخاص العاديين، مثلهم مثل رواد الأعمال، الذين يزداد تفاؤلهم بمجرد قيامهم بالقفزة الأولى في تأسيس أعمالهم التجارية. وتقول شاروت: "أعتقد أن التفاؤل هو الذي يؤدي إلى النجاح، بدلا من القول بأن النجاح يولد التفاؤل، رغم أنني متأكدة من أن الأمر يسير في الاتجاهين".

لكن يجب الحذر من الجانب السلبي للتحيز للتفاؤل، وهو الفشل في توقع المخاطر بدقة. ومن المعروف عن منظمي دورات الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال، أنهم يميلون إلى الإفراط في التفاؤل بخصوص المكاسب التي يمكنهم جنيها، والتقليل من أهمية الجداول الزمنية والتكاليف الباهظة المرتبطة. وإذا أراد المشاركون في المناقصات في المستقبل حماية أنفسهم من هذا التفاؤل المفرط، فيمكنهم وضع هذا الأمر في الاعتبار لتجنب تكبد مثل هذه النفقات الهائلة الزائدة. وتحاول المؤسسات والشركات هذه الأيام توقع هذا التحيز والتصرف بالشكل المناسب لتلافي أضراره. على سبيل المثال تتضمن إرشادات وزارة الخزانة الصادرة عن حكومة المملكة المتحدة قسما شاملا حول تصحيح ما يتعلق بالإفراط في التفاؤل.

وتقترح لاسليت الاحتفاظ بمذكرات خاصة بالتوقعات والنتائج في أماكن العمل من أجل تقييم مستواك الخاص من التحيز للتفاؤل، وهو ما يسمح لك بالتعديل بشكل يتلاءم مع ذلك إذا لزم الأمر. وقد يسمح القيام بذلك بإتاحة ثلاثة أسابيع لإكمال مشروع ما على سبيل المثال، بدلاً من أسبوعين.

وترى لاسليت أن دراسة الموقف جيدا والنظر إليه من مختلف الزوايا هو الأفضل دائما، وتقول: "أي نقطة قوة يتم المبالغة في استخدامها تصبح نقطة ضعف: وهذا يعني أن التفاؤل الأعمى ليس جيدا على الإطلاق".