النجاح الإخباري - بعد أسبوعين على كلمته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، التي خرج بها رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث بتصريح قدّمه للعالم والشعب الفلسطيني وقطاع غزة تحديدا بوصفه إنجازًا سياسيًا، معلنًا أن فتح معبر رفح، يشكّل إشارة للعالم إلى أن غزة "لم تعد مغلقة أمام المستقبل والعالم". وهو تصريح بدا في ظاهره، محاولة لبث الحياة في جسد أنهكته الإبادة والحصار، لكنه سرعان ما انكشف كخطاب مفصول عن الواقع، بل ومتناقض معه إلى حد الفضيحة السياسية والأخلاقية.
فالمعبر الذي جرى تقديم فتحه كإنجاز للجنة، ورمز لانفتاح غزة على المستقبل والحياة، لم يكن على الأرض سوى ممر طويل للإذلال، ورحلة قسرية امتدت قرابة عشرين ساعة في أول أيامه فتحه، خضع خلالها العائدون لتحقيقات مطولة، وتفتيش مهين، وتجريد من المقتنيات، واحتجاز متكرر من قبل ضباط الاحتلال وجنوده، قبل أن يُسمح لعدد محدود جدًا بالعبور، معظمهم من النساء والأطفال والمرضى، بلا أمتعة، وبلا دواء، وبلا أي مظهر من مظاهر الحياة التي جرى الحديث عن استعادتها. لم يكن ذلك فتحًا يخفف الحصار، ولا معبرًا تدخل عبره المساعدات أو الشاحنات، بل إعادة إنتاج للخنق ذاته، بصيغة أكثر قسوة وتعرية.
هذا الواقع، المثبت بشهادات الناس وتجاربهم اليومية، لا يشبه بأي شكل الصورة التي حاول شعث رسمها من على منبر دولي، فالمعبر، وفق التجربة الفعلية، لم يُدار باعتباره مرفقًا إنسانيًا، بل خضع لمنظومة عصابات العملاء، التي تولّت حجز العائدين، والتحكم بحركتهم، وإخضاعهم، في مشهد أقرب إلى سوق إذلال مفتوح منه إلى بوابة عبور نحو العالم. ومع ذلك، جرى تسويق ما حدث باعتباره فتحًا تاريخيًا، في عملية خداع لغوي وسياسي لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من التزييف وإعادة إنتاج الوهم.
الأخطر في خطاب شعث قبل أسبوعين، لم يكن المبالغة، بل الصمت المتعمد. صمت كامل عن الاحتلال، وعن إسرائيل، وعن المجازر، وعن الإبادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة لأكثر من عامين. غزة، في روايته، لا تعيش تحت استعمار، ولا تُحاصر، ولا تُقصف، بل تواجه فقط "تحديات المرحلة" و"تعقيدات الانتقال"، وكأن ما جرى كان خللًا إداريًا عابرًا لا جريمة سياسية وعسكرية مكتملة الأركان. هذا التجاهل لا يمكن قراءته كسهو أو حياد، بل كمحاولة واعية لإعادة صياغة الواقع، تُخرج الجاني من المشهد وتُبقي الضحية وحدها في موقع الاتهام.
وعندما انتقل شعث للحديث عن "سلطة واحدة وسلاح واحد" واستعادة الحياة، فعل ذلك بلا أي شرح لكيفية تحقيق ذلك في ظل الاحتلال، ولا عن المرجعية التي ستفرض هذه السلطة، ولا عن الضمانات، ولا عن حدود السيادة، مكتفيًا بشعارات عامة تصلح للعرض الإعلامي، لكنها عاجزة عن الصمود أمام أي اختبار سياسي جدي. بدا الخطاب أقرب إلى إدارة لغوية لما بعد الإبادة تنطلق من ثقافة الهزيمة والاستسلام، لا إلى مشروع تحرر، ولا حتى إلى خطة واقعية لإدارة أزمة بحجم الكارثة التي تعيشها غزة.
ثم جاء التماهي الكامل مع الخطاب الأميركي، عبر توجيه الشكر لدونالد ترامب، الشريك المباشر في الحرب على غزة، والمموّل السياسي والعسكري للإبادة، قبل أن يُعاد تقديمه فجأة كصاحب "خطة سلام". سلام يُطرح فوق المقابر، ويُسوّق من فوق الركام، ويُطلب من الضحية أن تشكر من موّل قتلها باسم الواقعية السياسية، في قلب مشهد يعكس انقلابًا أخلاقيًا كاملًا في تعريف السلام ومعناه.
وعندما تحدث شعث عن أن الطريق إلى السلام سيكون صعبًا وسيواجه عقبات، بدا وكأنه يتحدث عن مسار نظري بلا أرضية، سلام بلا مرجعية، وبلا عدالة، وبلا اعتراف بالجريمة، وبلا مساءلة. سلام يُطلب من الفلسطينيين قبوله مسبقًا مقابل وعود غامضة بالحياة، فيما يُعفى الاحتلال من أي التزام أو مساءلة عمّا فعله وما يزال يفعله.
في المحصلة، ما قُدّم من خطاب، لم يكن سوى خطاب دعائي منفصل عن دم الناس. ليس إعلانًا عن نهاية الحصار، بل إعادة تدويره بلغة جديدة. غزة لا تحتاج إلى من يكتشفها من دافوس، ولا إلى من يعلن فتحها بالكلمات بينما تُغلق بالأفعال، بل إلى خطاب يعترف أولًا بأنها ما زالت تحت الاحتلال، وأن أي حديث عن مستقبلها لا يبدأ من هذه الحقيقة ليس سوى وهم سياسي مغلّف ببلاغة باردة.
وفي زمن الإبادة، يصبح تجاهل الاحتلال موقفًا سياسيًا كامل الدلالة، لا حيادًا، ويغدو تسويق الإذلال باعتباره إنجازًا شكلًا فاضحًا من أشكال التواطؤ. أما الحديث عن خطط ورؤى من شخص ما يزال دخوله إلى غزة مرهونًا بقرار ميداني من ضباط الاحتلال، ولا يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية تنفيذ وعوده، فلا يتجاوز كونه جزءًا من مسرح العلاقات العامة، لا من واقع الناس.
غزة ليست منصة دعائية، ولا مادة خطابية للاستهلاك الدولي، بل مكان مثخن بالجراح، لا يُفتح بالكلمات، ولا يُنقذ بالشعارات، ولا يُعاد إلى الحياة بتجاهل الجريمة الأصلية. وفي لحظة كهذه، كل خطاب لا يسمّي الاحتلال، ولا يعترف بالإبادة، ولا ينحاز صراحة إلى الضحايا، ليس خطاب سلام، بل شراكة صامتة مع القتل.