النجاح الإخباري -  

 قدّم نائب المدير التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) تيد تشيبان، ونائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكّاو، عرضًا مشتركًا لنتائج زيارتهما الأخيرة إلى قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، مؤكدَين أن وقف إطلاق النار أسهم في تحسّن نسبي في بعض المؤشرات الإنسانية، لكنه لا يزال هشًا وقابلًا للانتكاس في أي لحظة.

وأوضح تشيبان أن الزيارة تُعد الخامسة له إلى الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار أتاح زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وعودة محدودة للسلع التجارية إلى الأسواق، ما انعكس توفرًا نسبيًا للخضروات والفواكه والدواجن والبيض، وتحسنًا في الوضع الغذائي، مع تراجع خطر المجاعة.

وأشار إلى أن أكثر من 1.6 مليون شخص باتوا يحصلون على مياه شرب نظيفة بدعم من اليونيسف وشركائها، فيما تلقى نحو 700 ألف شخص أغطية وملابس شتوية، وأُعيد تشغيل خدمات العناية المركزة للأطفال في مستشفى الشفاء بمدينة غزة. كما أُطلقت الجولة الثانية من حملة تعويض اللقاحات للأطفال الذين حُرموا من التطعيم خلال الحرب، إلى جانب إنشاء 196 مركزًا للتغذية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وبيّن تشيبان أن أكثر من 250 ألف طفل عادوا إلى أنشطة تعليمية من خلال مساحات تعليم مؤقتة، لافتًا إلى أن حملة “العودة إلى التعلّم” ستنطلق هذا الأسبوع بهدف توسيع الوصول إلى التعليم ليشمل نحو 700 ألف طفل حُرموا من الدراسة لأكثر من عامين.

ورغم هذه التطورات، شدد المسؤول الأممي على أن الوضع الإنساني لا يزال شديد الهشاشة، موضحًا أن أكثر من 100 طفل قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، وأن نحو 100 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد ويحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد، فيما يعيش قرابة 1.3 مليون شخص في خيام أو مبانٍ مدمّرة.

كما أشار إلى تلقي تقارير عن وفاة ما لا يقل عن عشرة أطفال بسبب انخفاض حرارة الجسم خلال فصل الشتاء، بعد اضطرار بعض العائلات إلى حرق البلاستيك والخشب للتدفئة، في ظل عودة العديد من العائلات إلى مناطقها الأصلية لتجد منازلها مدمرة بالكامل.

ومن بين الشهادات التي نقلها تشيبان، حديثه مع طفلة تُدعى آية في أحد مراكز التعليم المؤقتة، عبّرت عن سعادتها بالعودة إلى الدراسة، وحلمها بأن تصبح ممرضة لمساعدة المصابين، وتمنّيها رؤية غزة وقد أُعيد بناؤها وعادت إليها المدارس والأسواق.

من جانبه، قال سكّاو إن زيارته السابقة لغزة في يوليو/تموز الماضي جاءت في ذروة خطر المجاعة، حيث كان معظم من التقاهم يعانون من سوء تغذية حاد، بينما سمح وقف إطلاق النار الحالي بتوسيع نطاق عمليات برنامج الأغذية العالمي، الذي بات يصل إلى أكثر من مليون شخص شهريًا بحصص غذائية كاملة، ويقدّم نحو 400 ألف وجبة ساخنة يوميًا، إضافة إلى وجبات مدرسية لـ230 ألف طفل في 250 مركزًا تعليميًا مؤقتًا.

وأشار إلى تحسن نسبي في نشاط الأسواق ودخول بعض السلع التجارية، رغم استمرار ارتفاع الأسعار، موضحًا أن البرنامج قدّم مساعدات نقدية لنحو 60 ألف أسرة لدعم قدرتها الشرائية والمساهمة في تحريك الاقتصاد المحلي.

وتحدث سكّاو عن لقائه امرأة فقدت زوجها وعددًا من أقاربها ومنزلها، وأصبحت مسؤولة عن أربعة أطفال دون أي موارد، كما التقى امرأة أخرى أنجبت طفلها قبل عشرة أيام وتعيش في خيمة على شاطئ البحر فوق فراش مبلل بسبب الأمطار، في ظل نقص حاد في المأوى ووسائل التدفئة.

وفي ما يتعلق بالعمل الميداني، أوضح تشيبان أن الأمم المتحدة تتواصل مع السلطات الإسرائيلية عبر قنوات تقنية، والتقت بوزارة الخارجية الإسرائيلية، كما التقت بممثلي “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، معتبرًا إياها فرصة لتحسين الوصول الإنساني والتحرك نحو التعافي المبكر إذا جرى تفعيلها بشكل كامل. وأضاف أن التنسيق داخل غزة يتم عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وأن عودة الشرطة المحلية إلى العمل أسهمت في الحد من حوادث النهب.

وشدد المسؤولان على ضرورة فتح مزيد من الطرق والمعابر، ولا سيما إعادة فتح معبر رفح بشكل دائم للحالات الطبية، وتشغيل معبري كرم أبو سالم وإيرز وممرات أخرى في الوقت نفسه، إلى جانب استخدام طرق داخلية إضافية لتسهيل نقل المساعدات داخل القطاع.

وفي الضفة الغربية المحتلة، أفاد تشيبان بلقائه عائلات في قرى محاطة بمستوطنات، وأطفالًا سبق اعتقالهم، تعمل منظمات محلية على دعمهم نفسيًا وإعادتهم إلى التعليم، مشيرًا إلى أن نحو 800 ألف طفل تأثر تعليمهم بتصاعد العنف، وأن 75 ألف شخص نزحوا من منازلهم.

بدوره، تحدث سكّاو عن زيارته لقرية بدوية جنوب الخليل تضم 37 عائلة، حيث أقام مستوطنون حواجز داخل القرية، في ظل توترات أسفرت عن استشهاد أحد السكان، مؤكدًا أن برنامج الأغذية العالمي يقدّم مساعدات غذائية ونقدية، لكنه شدد على أن الحل النهائي “سياسي وليس إنسانيًا فقط”.

وفي ردّهما على سؤال حول العنف القائم على النوع الاجتماعي وزواج القاصرات في غزة، أكد تشيبان أن فرق الأمم المتحدة رصدت بالفعل حالات من هذا النوع، موضحًا أن التفكك الاجتماعي الناتج عن النزوح الجماعي وفقدان المعيلين والاكتظاظ في أماكن الإيواء أسهم في تصاعد التوترات داخل الأسر والمجتمعات، ودفع بعض العائلات إلى سلوكيات قسرية، من بينها تزويج الفتيات في سن مبكرة.

وفي ختام الإحاطة، شدد المسؤولان الأمميان على أن استمرار فتح المعابر وتوسيع العمل الإنساني شرط أساسي لمنع تدهور الأوضاع مجددًا، مؤكدَين أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى خطوات أولية للتعافي وإعادة الإعمار، مع إشراك الفلسطينيين في أي خطط تتعلق بإعادة البناء في قطاع غزة والضفة الغربية.