وكالات - النجاح - أكد محافظ سلطة النقد عزام الشوا أن 2021 سيشهد مزيدا من التوسع في الائتمنان الموجه للاستثمار في قطاعات إنتاجية والتقليل من التسهيلات الممنوحة للقروض الاستهلاكية.

وأشار الشوا في لقاء مع "الحياة الجديدة" إلى أن الجهاز المصرفي يتمتع بملاءة عالية مكنته من التعامل مع أزمتي كورونا و"المقاصة" دون التأثر في منح التمويل اللازم، مشيرا إلى أن  تعليمات سلطة النقد خلال العام الفائت الذي شهد أزمتي كورونا و"المقاصة" لعبت دورا أساسيا في الحد من تفاقم الخسائر الاقتصادية والتخفيف من الضغوط المالية على الحكومة والأفراد والشركات.

وتوقع الشوا أن يعود الاقتصاد الفلسطيني خلال العام 2021 إلى مسار التعافي  خاصة مع توفر اللقاحات التي ستتيح فرصة لاسئتناف الحياة الطبيعية وإعادة القطاعات الإنتاجية إلى عملها كالمعتاد.

ورغم تعرض القطاع المصرفي لضغوطات كبيرة خلال العام المنصرم، غير أن الشوا كشف أن الأرقام تشير بصورة واضحة إلى استقرار الجهاز المصرفي، إذ بلغ حجم التسهيلات الائتمانية مع نهاية تشرين الثاني10.1 مليار دولار بارتفاع نسبته 14% على أساس سنوي، كما نمت ودائع العملاء بنسبة 10.1% على أساس سنوي لتصل إلى حوالي 14.5 مليار دولار، فيما وصلت نسبة الائتمان (إجمالي التسهيلات المباشرة إلى ودائع العملاء) 70.2% مقارنة بـ 67.7% في نهاية شهر تشرين الثاني من العام 2019.

قوة مالية في مواجهة الأزمات

*لقد تعرض القطاع المصرفي لضغط كبير خلال جائحة كورونا ما أبرز التحديات التي واجهت هذا القطاع خلال العام الحالي؟

كان للأزمة الصحية الناتجة عن تفشي فيروس كورونا في العالم آثار متعددة، أولها الأثر الصحي الذي تبعته آثار أخر مالية واقتصادية عانى منها الاقتصاد العالمي والاقتصاد المحلي،  مما خلق أوضاعاً مختلفةً لدى كافة الأطراف الأساسية اللاعبة والمؤثرة في الدورة الاقتصادية مما تسبب تقريباً في وقف عجلة الانتاج وتباطؤ النمو الاقتصادي، وكون هذه الأزمة تختلف عن سابقتها حيث إنها ناتجة عن عوامل خارج القطاع المالي وليست ناتجة عنه، ونتيجة إجراءات سلطة النقد في الحفاظ على الاستقرار المالي فإن المصارف الفلسطينية تتمتع بملاءة ومتانة مالية ونسب سيولة وكفاية رأس مال مرتفعة مكنتها من التعامل مع هذه الأزمة دون التأثير على القيام بدورها الحيوي في منح التمويل وقت الأزمات وتمكنت من الاستمرار في تمويل الحكومة مع ارتفاع حجم الاقتراض والإنفاق الحكوميين وساعدت على إنعاش القطاعات المتضررة وذلك من خلال ضخ السيولة لها أو تأجيل الأقساط وإعادة هيكلة التمويلات أو جدولتها ما مكّن هذه القطاعات من الاستمرار في دورها وتغطية نفقاتها التشغيلية.

دور للحد من الخسائر الاقتصادية

أظهر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء بالتعاون مع سلطة النقد انكماشاً في الاقتصاد الوطني بنسبة 12% خلال العام الحالي إلى أي مدى  يمكن أن يترك ذلك آثاره على الواقع المصرفي خلال العام المقبل؟

تعرض الاقتصاد الفلسطيني في بدايات العام 2020 لأزمة جديدة غير مسبوقة، جراء انتشار جائحة (كوفيد-19)، والأوضاع الاستثنائية التي تبعت ذلك، من فرض حالة الطوارئ، واتخاذ العديد من التدابير والإجراءات الوقائية والاحترازية لاحتواء انتشار هذه الجائحة، وكان ثقل هذه الأزمة على الاقتصاد الفلسطيني كبيراً نظراً لتزامنها مع أزمة سياسية جديدة مع الجانب الإسرائيلي (جراء إعلان نيته عن ضم مناطق جديدة من الضفة الغربية، وخاصة في مناطق الأغوار، ومحاولة تفعيله لقانون الأسرى)، ورفض الجانب الفلسطيني في المقابل استلام أموال المقاصة منقوصة، فكانت محصلة هاتين الأزمتين تراجعا ملحوظا في أداء معظم الأنشطة والقطاعات الاقتصادية وبمعدلات قياسية لم تُختبر منذ العقد الماضي، محدثة تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020 بحوالي 12% .

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن القطاع المصرفي كان سباقاً في التخفيف من تداعيات هذه الأزمة كما في الأزمات السابقة، فبناءً على تعليمات سلطة النقد لعب القطاع المصرفي دوراً أساسياً في الحد من تفاقم الخسائر الاقتصادية والتخفيف من الضغوط المالية على الحكومة والأفراد والشركات والقطاعات والأنشطة الاقتصادية المتضررة، وذلك من خلال دعم السيولة في الاقتصاد، بما في ذلك سداد المستحقات المصرفية والقروض، ومعالجة تداول الشيكات، وتوجيه الائتمان للمشاريع الإنتاجية والمشاريع العاملة في مجال الصحة، إلى جانب مساهمته في توفير التمويل لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا من خلال برنامج استدامة.

توجيه الائتمان نحو الاستثمار على حساب القروص الاستهلاكية

وفي الآونة الأخيرة بدأ الحديث عن حدوث بوادر انفراج في الأزمة الصحية العالمية على خلفية إيجاد العلاج المناسب لهذه الأزمة، وإمكانية حصول فلسطين على العلاج في فترة مبكرة من العام 2021، الأمر الذي يشير ضمنياً إلى تخفيف الإجراءات والتدابير الوقائية التي صاحبت الأزمة، أو على الأقل محاولة المواءمة بين الجانب الصحي والجانب الاقتصادي، والتعايش مع هذه الجائحة ولكن مع الالتزام بالبروتوكولات الصحية العالمية في هذا الخصوص، ومن المتوقع أن تؤدي هذه المواءمة إلى استئناف العمل في العديد من الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي عودة الاقتصاد الفلسطيني إلى مسار التعافي.

وفي هذا الصدد سوف يعلب الجهاز المصرفي دوراً ريادياً، حيث تلجأ في العادة الدول التي تعاني من الركود الاقتصادي إلى ضخ مزيد من السيولة في الاقتصاد، باستخدام أدوات كل من السياسة المالية والسياسة النقدية، لكن نظراً لخصوصية الحالة الفلسطينية، فإن عملية ضخ السيولة في الاقتصاد ستتم من خلال القطاع المصرفي، وتحديداً من خلال الائتمان وتوجيهه من حيث الكم والنوع، وبما يسهم في تعزيز العلاقة بين التسهيلات والاقتصاد.

وعليه سوف نرى خلال العام القادم مزيداً من التوسع في الائتمان الموجه، من خلال تشجيع القطاع الخاص وشركات ومؤسسات الأعمال على التوسع في الاقتراض الاستثماري/التنموي، والابتعاد قدر الإمكان عن القروض الاستهلاكية، وبما يسهم في إعادة الاقتصاد إلى مسار التعافي والنمو ويعزز من فرص التنمية الاقتصادية المستدامة.

ارتفاع في التسهيلات الائتمانية

*هل تأثرت التسهيلات أو الودائع خلال العام الفائت مقارنة مع العام 2019 بفعل الجائحة وأزمة المقاصة؟

بالرغم من التباطؤ الحاصل في مؤشرات الاقتصاد الحقيقي، شهدت الشهور الأحد عشر المنقضية من العام )2020) استمرار الأداء الجيد نسبياً لمؤشرات المصارف العاملة في فلسطين من خلال المزيد من التفعيل لدور الوساطة المالية وتوفير مزيد من فرص التمويل والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية، فارتفعت التسهيلات الائتمانية كما هي في نهاية شهر تشرين الثاني بحوالي 14% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 10.1 مليار دولار، توزعت على مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية، كان للقطاع الخاص النصيب الأكبر منها حيث نمت التسهيلات المقدمة لهذا القطاع بنسبة 6.2% لتصل إلى  حوالي 7.9 مليار دولار مشكلة نحو 78.4% من إجمالي محفظة التسهيلات، في المقابل نمت ودائع العملاء بنسبة 10.1% على أساس سنوي لتصل إلى حوالي 14.5 مليار دولار في إشارة واضحة على ثقة الجمهور بالمصارف وأدائها، ووصلت نسبة الائتمان (إجمالي التسهيلات المباشرة إلى ودائع العملاء) 70.2% مقارنة بـ 67.7% في نهاية شهر تشرين الثاني من العام 2019.

البنوك الوافدة وعمليات اندماج

*كيف تنظر سلطة النقد إلى موضوع توجه بنوك وافدة للإندماج وما تأثير ذلك على واقع القطاع المصرفي؟

في ظل ارتفاع حدة المنافسة في القطاع المصرفي الفلسطيني وارتفاع الحصة السوقية للمصارف المحلية مقارنة بالمصارف الوافدة مما أثر على ربحية بعض المصارف الوافدة وعلى قدرتها بالحفاظ على معدلات ربحية مناسبة، لجأت بعض المصارف الوافدة على تعديل استراتيجياتها في العمل في السوق الفلسطيني من خلال إغلاق فروعها والاستثمار في المصارف المحلية، إن ذلك أدى إلى ضخ رأس مال إضافي في البنوك المحلية من خلال الشركاء الاستراتيجيين وتحسن نسب الملاءة المالية لديها.

خطة انعاش اقتصادي للمشاريع

المشاريع الصغيرة تشكل نحو 89% من مجمل المشاريع في فلسطين وهي تضررت بشكل كبير خلال جائحة كورونا ما هي استعدادات الجهاز المصرفي لتنفيذ خطة انعاش اقتصادي بالتعاون مع الحكومة في هذا المجال؟

اتخذت سلطة النقد العديد من الإجراءات الخاصة بإنعاش وتمكين الاقتصاد الفلسطيني خلال أزمة كورونا عن طريق ضخ السيولة حيث تم تأجيل الأقساط منذ شهر 4 لنهاية العام بالإضافة للإجراءات المتخذة بشأن الشيكات المعادة، وتم إطلاق برنامج لتوفير التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة المتضررة من أزمة فيروس كورونا بالشراكة مع الحكومة الفلسطينية بمبلغ 300 مليون دولار (210 ملايين دولار من مصادر سلطة النقد) في بداية شهر حزيران من العام 2020، حيث تقدم سلطة النقد التمويل اللازم للمشاريع المتضررة من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الوضع الصحي بسبب فيروس كورونا من أجل الحفاظ على العاملين وتغطية نفقاتهم التشغيلية ودعم رأس المال العامل، وبالتالي زيادة قدرتها على استدامة عملياتها والعودة الى دورة الإنتاج والتشغيل، وتم حث المصارف على تخفيف الشروط والمتطلبات للتسهيل على المنشآت من الاستفادة من هذا البرنامج.

وبلغ حجم القروض التي تمت معالجتها ضمن البرنامج تجاوز مبلغ الـ 60 مليون دولار، منحت للعديد من المشاريع على شكل قروض ميسرة، وساهمت في تمويل رأس المال العامل لشركات ومشاريع بلغ مجموع رأسمالها 255 مليون دولار، وحافظت على فرص عمل لما يقارب 10 آلاف موظف وعامل، وسيتم الاستمرار في استقبال الطلبات خلال العام 2021.

وتعمل سلطة النقد حالياً على توفير تدريب مجاني في مجال بناء القدرات للمشاريع المستهدفة، من خلال القنوات الإلكترونية الحديثة، بهدف تمكين المشاريع من تحسين مستويات الأداء في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

كما ستتعامل سلطة النقد والمصارف بما يخصها من برامج ومبادرات مقرة وفق خطة الإنعاش الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بالاستمرار ببرنامج استدامة والحفاظ على مستويات سيولة مرتفعة لدى القطاع المصرفي وتحفيز المصارف على تمويل القطاعات الإنتاجية.

خطوات لتعزيز الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي

* إلى أي حد تسير الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي نحو تحقيق أهدافها؟

يكمن الغرض الأساسي من بناء وتطوير استراتيجية وطنية للشمول المالي في فلسطين في توحيد وقيادة الجهود العديدة المبذولة في سبيل زيادة نسبة الشمول المالي، والتركيز على معالجة المعوقات الرئيسية التي تقف في وجه تقدم وتعزيز الشمول المالي في فلسطين.

كذلك قامت سلطة النقد باتخاذ عدة خطوات لتعزيز الشمول المالي بما يشمل ترخيص خمس شركات للدفع الالكتروني والتي ستقوم بتقديم خدمات المدفوعات من خلال الموبايل والمحافظ الالكترونية والبطاقات وغيرها من خدمات التقنيات المالية حيث تستهدف بشكل أساسي تقديم خدمات مالية مخصصة للفئات غير المشمولة مالياً بتكاليف معقولة جداً، كذلك قامت سلطة النقد بإنشاء قسم مخصص للتكنولوجيا المالية (Fintech) وذلك لتشجيع الابتكار والرياديين في هذا المجال لما له من أثر كبير على استحداث خدمات مالية جديدة تتناسب مع احتياجات الفئات المستبعدة مالياً وبالتالي تعزيز نسب الشمول المالي.

وفي هذا الإطار أيضاً قامت سلطة النقد بإطلاق عدة حملات توعية تستهدف التعريف بالخدمات الالكترونية المقدمة من قبل شركات خدمات الدفع وكذلك التعريف ببرنامج احتساب تكلفة الاقتراض السنوية مما يساهم في تعزيز حماية حقوق العملاء، وكذلك إطلاق تعليمات للمصارف تقضي بالسماح للأم بفتح حساب لأولادها القصر وبإدارتها بشكل كامل، وإطلاق تعليمات للمصارف لمواءمة مبانيها وخدماتها بما يتناسب مع احتياجات ذوي الإعاقة، وإطلاق تعليمات حساب الشمول المالي في العام 2019 وعقد جلسات مع البنوك بالخصوص، التي تساهم بشكل كبير ومباشر في تحقيق الهدف الرئيس لاستراتيجية الشمول المالي، كذلك إطلاق نظام الحسابات المصرفية الذي سيساهم بشكل كبير في احتساب مؤشرات الشمول المالي وتسهيل الالتزام بمتطلبات KYC مما يساهم بشكل كبير في تقليل الوقت المستغرق لفتح حساب مصرفي أو تحديثه.

ومن الإنجازات المتحققة على المستويين الإداري والبنية التحتية للشمول المالي، إطلاق الموقع الالكتروني للشمول المالي في فلسطين وتغذيته بالبيانات والمعلومات الكافية (www.financialinclusion.ps)، واعتماد المؤشرات الأساسية للشمول المالي بما يشمل القطاعين المالي المصرفي وغير المصرفي، إضافة إلى البدء بإنشاء قاعدة بيانات آلية خاصة بمؤشرات الشمول المالي في فلسطين، بحيث يتم جمع كافة البيانات المتعلقة بالشمول المالي على مستوى القطاع المصرفي وغير المصرفي على منصة واحدة وبما يشمل تقسيم كافة البيانات على مستوى النوع الاجتماعي.

كما أنه سيتم إجراء مسح ميداني لجانب الطلب في منتصف فترة تنفيذ الاستراتيجية والممتدة لثماني سنوات، حيث من المتوقع إجراء المسح في بداية العام 2023، وذلك لقياس مدى التطور في مستويات الشمول المالي لدى جانب الطلب.

المصدر: الحياة الجديدة