النجاح الإخباري - إياد جودة- كاتب ومحلل سياسي
في ظل التسارع الدراماتيكي للأحداث الإقليمية والدولية يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن للعالم نهاية المرحلة الأصعب في مواجهة إيران وهو إعلان لا يحمل طابعا عسكريا فحسب بل يمثل إعادة صياغة كاملة لخارطة النفوذ في الشرق الأوسط.
إن هذا التصريح يأتي في ذروة اشتباك سياسي ودبلوماسي معقد حيث تدرك الإدارة الأمريكية أن لغة القوة والمناورة قد وصلت إلى نقطة اللاعودة مما أجبر طهران على إعادة حساباتها الاستراتيجية أمام الضغط الأقصى الذي لم يتوقف. ولم يكتف ترامب بهذا الإعلان بل وجه سهام نقده الحادة نحو الحلفاء الأوروبيين في رسائل وصفت بأنها الأكثر صرامة منذ عقود حيث اتهم العواصم الأوروبية بالتردد والمداهنة السياسية التي أدت لإطالة أمد الأزمة.
يرى ترامب أن أوروبا كانت وما زالت تلعب دور المستفيد السلبي من الحماية الأمريكية بينما تفتح أبوابها التجارية للنظام الإيراني وهو تناقض لم يعد مسموحا به في القاموس السياسي الجديد للبيت الأبيض.
إن الرسائل الحادة للأوروبيين تعكس ضيق ذرع واشنطن بالبيروقراطية البرلمانية الأوروبية التي تعطل مسار العقوبات الشاملة وتمنح طهران رئات اقتصادية للتنفس حسب رأيه.
وبحسب القراءة التحليلية للمشهد فإن ترامب يضع القارة العجوز أمام خيارين لا ثالث لهما إما الاصطفاف الكامل خلف الرؤية الأمريكية لإعادة هندسة المنطقة أو مواجهة تبعات التغريد خارج السرب وما يترتب على ذلك من هزات في بنية التحالف الأطلسي.
إن نهاية المرحلة الأصعب التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي تعني بالضرورة الانتقال من مربع المواجهة المباشرة إلى مربع فرض الشروط النهائية لاتفاقية كبرى لا تقتصر على الملف النووي بل تمتد لتشمل نفوذ إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي.
واعتقد أن هذه اللهجة الحادة تجاه الحلفاء تهدف لتوحيد الجبهة الغربية قسرا قبل الجلوس على طاولة المفاوضات النهائية لضمان عدم وجود ثغرات ديبلوماسية يمكن لإيران المناورة من خلالها. وفي المقابل تعيش العواصم الأوروبية حالة من الارتباك السياسي بين ضغوط واشنطن ومصالحها الاقتصادية المباشرة مما يجعل من وحدة الموقف الغربي اختبارا حقيقيا لقدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود أمام العواصف الترامبية المتكررة.
إن هذا الإعلان يمثل أيضا رسالة طمأنة للشركاء الإقليميين في المنطقة مفادها أن المظلة الأمريكية ما زالت قائمة وأن مرحلة التهديدات الكبرى قد تم احتواؤها بفضل الحزم العسكري والاقتصادي كما يحلو لترامب ان يفهم من حوله. ومع ذلك فإن التحدي يكمن في كيفية ترجمة هذه النهاية للمرحلة الأصعب إلى استقرار مستدام لا يعقبه انفجار جديد نتيجة سوء تقدير المواقف أو المبالغة في الثقة. إن ترامب بأسلوبه البراغماتي المعتاد يسعى لتحويل النصر السياسي إلى مكاسب انتخابية واقتصادية ملموسة تخدم رؤيته القائمة على أمريكا أولا حتى لو كان ذلك على حساب إحراج أقرب الحلفاء التاريخيين في باريس ولندن وبرلين. وبناء عليه فإننا أمام مرحلة جديدة من الفوضى الخلاقة التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى نظام إقليمي جديد تتقاسم فيه القوى الكبرى مناطق النفوذ بعيدا عن الشعارات الكلاسيكية التي سادت لعقود.
إن الرسالة الأمريكية وصلت بوضوح ومفادها أن زمن الرمادية في المواقف قد انتهى وأن التحالفات الدولية باتت تقاس بمدى الالتزام الفعلي بالاستراتيجية الأمريكية العليا لا بمجرد الوعود الدبلوماسية الجوفاء. وتظل الأيام القادمة هي الحكم والمختبر الحقيقي لمدى قدرة إيران على استيعاب هذه التحولات ومدى رضوخ أوروبا للإملاءات الأمريكية التي باتت تفرض بلغة الحسم واليقين. وختاما فإن إعلان ترامب يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول شكل التسوية القادمة وهل ستكون تسوية سلام أم تسوية الإذعان التي تفرضها القوة المفرطة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والفاعلين الحقيقيين على رقعة الشطرنج الدولية.