نابلس - النجاح الإخباري - م.غازي مرتجى

بعيدًا عن السياسة قليلًا، لم يكن السؤال عند التفكير بتأسيس محطة هنا غزة: كيف نبدأ؟ بل كان الأهم: كيف نبدأ من حيث انتهى الآخرون؟ منذ اللحظة الأولى، كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة، لا كأداة مساعدة، بل كمنهج تفكير متكامل.

بدأت الفكرة بزميلة، ثم خريجتين، قبل أن تتسع الدائرة سريعًا، وصولًا إلى تأسيس قسمٍ تابعٍ لمركز الإعلام أُطلق عليه اسم LIMINAL—وهو مصطلح يحيل فلسفيًا إلى المنطقة الفاصلة، إلى العتبة بين وعي الإنسان ومنطق الآلة، بين القرار البشري والتنفيذ الذكي.

وخلال أربعة أشهر فقط، تمكّن هذا القسم من تطوير منتج Automation مخصص لغرف الأخبار؛ منتج لا يجيب فقط عن سؤال: كيف تعمل غرف الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل يطرح إجابة عملية حول كيفية رفع جودة المخرجات من جهة، وخفض التكاليف التشغيلية من جهة أخرى، دون المساس بالجوهر المهني.

كان النجاح لافتًا، بل مفاجئًا في بدايته، لكن مع الوقت تبيّن أن ما تحقق ليس استثناءً، بل ملامح مستقبل غرف الأخبار—مستقبل قريب جدًا.

اليوم، إن لم يتسلّح الصحفي أو الفني العامل في صناعة الأخبار بأدوات الذكاء الاصطناعي، فهو لا يغامر فقط بتطويره المهني، بل بوجوده أصلًا. فالآلة لم تعد تنفّذ فحسب، بل تفهم، والأكثر إدهاشًا أنها تتعلّم. تنبيهها إلى خطأ يدفعها لتحليله وتعديل سلوكها، وتزويدها بسياسة تحرير يجعلها تطبقها بحذافيرها.

حتى البروتوكولات التي كانت تُكتب أحيانًا كإطار شكلي أو “بريستيج مؤسسي”، باتت الآلة تلتزم بها بدقة صارمة. بل يمكن—على سبيل المثال—توجيه نظام ذكي لإصدار الأخبار بنسبة 70٪ إيجابي التوجه، لينفّذ ذلك حرفيًا، باتساق، ودون إرهاق أو مزاجية.

المستقبل القريب سيكون حكرًا على من يعرف كيف يخاطب الآلة، وكيف يفهمها… وتفهمه. فقد أصبح ممكنًا إطلاق تلفزيون، وإذاعة، وموقع إلكتروني، ومنصات تواصل اجتماعي، بأقل من نصف عدد الموظفين المعتاد، بشرط إتقان العمل مع الأنظمة الذكية.

ومن هذه التجربة، يمكن استخلاص خمس حقائق رئيسية:

أولًا: نموذج التعليم الحالي، ببنيته التقليدية، بات بعيد الصلة عن المستقبل إلى حد كبير. ومن هنا جاء توجه جامعة النجاح الوطنية لإطلاق برامج Micro-Credential، كضرورة لمجاراة أنماط التعليم الحديثة وتعويض الفاقد المهاري.

ثانيًا: كل وظيفة تقوم على خطوات بيروقراطية واضحة ومكررة ستكون في مرمى الخطر؛ من صياغة الأخبار وإعادة تحرير التقارير إلى الأعمال الإدارية الروتينية. من لا يصطحب الآلة في عمله سيتراجع، بينما من يتقنها قد يعادل إنتاجه عمل عشرة أشخاص.

ثالثًا: التحول لا يقتصر على الإعلام، بل يشمل مختلف التخصصات، حتى الطب، حيث بات ممكنًا لطبيب متخصص إجراء عمليات جراحية عن بُعد عبر روبوتات، بقرارٍ طبي وتنفيذٍ آلي.

رابعًا: على مستوى الحكومات الذكية، قد تتمكن دولة من الاستغناء عن مئة ألف موظف إداري، وإدارة منظومتها بألف موظف فقط، يدعمهم مليون وكيل ذكي—تصور يغيّر شكل الدولة ومفهوم الوظيفة العامة.

خامسًا: النظام العالمي نفسه مرشح للتبدل؛ فالنظام المالي بدأ يشهد تحولات، مع نماذج ذكية لإدارة الثروات والاستثمار أدت إلى تحركات مالية بمليارات الدولارات. المال سيتغير، ومفهوم النقد سيتبدل، وحتى الملكية ستُعاد صياغتها بأنماط جديدة.

ما نعيشه اليوم هو تحوّل وجودي في طريقة العمل، والتفكير، والبقاء.

حتى هذا النص، قامت الآلة بمراجعته لغويًا وتقنيًا… وهي مستعدة لفعل ذلك وأكثر، إلى ما لا نهاية. ♾