النجاح الإخباري - بقلم : د بسام سعيد
أكاديمي وباحث
يُقال إن الحرب لا تغيّر الجغرافيا فقط، بل تغيّر الإنسان من الداخل. في غزة لم تخسر آلاف الأسر بيوتها فحسب، بل خسرت إيقاع حياتها اليومي وتفاصيلها الصغيرة التي كانت تمنحها شعور الأمان. فمن البيت إلى الخيمة لم يكن الانتقال مجرد تغيير مكان، بل تحوّلًا عميقًا في معنى الخصوصية، والدور، والكرامة، والعلاقة بين أفراد الأسرة.
في المخيمات المؤقتة التي تملأ جنوب قطاع غزة، بالكاد تعرف شكل خيمتك أو تميّز مكانها بين عشرات الخيام المتشابهة. لم تعد الخيمة مجرد مأوى، بل صارت مساحة لإعادة تعريف الحياة نفسها، وخاصة لدى المرأة التي تتمحور حولها هذه الحكاية في ظل واقع خانق وقاسٍ وجديد.
لم تفقد المرأة في غزة بيتًا فقط، بل فقدت إيقاع حياتها.
كان البيت أكثر من سقف وجدران؛ كان ذاكرة يومية: فنجان قهوتها في المطبخ، ترتيب الوسائد، صوت الماء في الحمام، باب يُغلق، تلفاز يُفتح وبرامج تُتابَع ، وجلسة سمر مع صديقاتها فى صالون بيتها الجميل ، وشرب فنجان قهوة ومعمول أو كعك تتباهى به أمام صديقاتها !
في البيت كانت تعرف أين يبدأ يومها وأين ينتهي. كانت المساحات واضحة: غرفة للنوم، مطبخ للطعام، حمام للنظافة، وباب يُغلق عند الحاجة.
أما في الخيمة، فالأمر بلا حدود واضحة. تتداخل الوظائف: النوم، والأكل، وتبديل الملابس، وتربية الأطفال، واستقبال الضيوف.
الخيمة لا تعترف بالخصوصية. في مترين او اكثر من القماش تتجاور الأجساد والأنفاس والأحلام والقلق. هنا ينام الأب والأطفال، هنا يُؤكل الطعام، هنا تُبدَّل الملابس، وهنا تُخفى دموع الوجع ودموع فقدان البيت الذي أصبح رمادًا.
في بيتها كانت المرأة تعرف التفاصيل الصغيرة: تنظّم المطبخ، تختار وقت الاستحمام والتزيّن، وتغلق الباب إن أرادت عزلة قصيرة.
أما اليوم، فتقف أمام خيمة لا تحمي من حرّ الشمس ولا من برد الليل، وتحاول أن تصنع نظامًا من الفوضى. إنها تعيش في صدمة مستمرة اسمها "اللااستقرار".
تعلّق قطعة قماش لتصنع جدارًا وهميًا داخل الخيمة، تضع الأغراض في صناديق بلاستيكية، وترتّب البطانيات كأنها تعيد رسم حدود بيت غائب.
ما الذي تغيّر عليها؟
تغيّر إحساسها بالأمان والخصوصية قبل أي شيء.
تغيّر شعورها بالسيطرة على يومها. تغيّر تعريفها للراحة.
لكن التغيّر الأعمق يحدث في داخلها.
صارت تستيقظ قبل الجميع، لا لأن لديها عملًا محددًا، بل لأن النوم الخفيف في الخيمة لا يسمح بالاسترخاء. أول فعل يومي جديد تمارسه الآن هو تفقد أطراف الخيمة مع أول ضوء: تتحسّس الحبال، تشدّ الأوتاد، تنظر إلى السماء إن كانت الغيوم تتكاثف، تخشى مطرًا قد يحوّل الأرض إلى طين، أو ريحًا قد تقتلع القماش كله. هذا الطقس الصباحي لم يكن يومًا جزءًا من حياتها. لم تكن مسؤولة عن تثبيت بيتها بيديها كل صباح.
ثم تمضي في يوم بلا مطبخ حقيقي.
تُعدّ الطعام على موقد صغير بحطب جمعه زوجها أو ابنها، لا فرق. تحسب استهلاك الماء بدقة، تنتظر دورها في طابور حمام مشترك، أو تذهب ليلًا حين يقلّ الازدحام. حتى الجسد أصبح مشروعًا للتدبير: كيف تحافظ على نظافتها؟ كيف تبدّل ملابسها؟ كيف تتعامل مع دورتها الشهرية في غياب أدنى شروط الراحة؟ كيف تمارس دورها كزوجة في فضاء لا يفصلها عن أطفالها؟ هنا تتحوّل الحياة البيولوجية إلى عبء نفسي يومي.
ومع ذلك، لا تنكسر.
تخلق من زاوية ضيقة مساحة دفء، ومن بطانية مهترئة ستارة، ومن علبة معدنية أو كرتونه خزانة صغيرة، ومن زجاجة أعيد تدويرها كوبًا لشرب الماء. تحاول أن تُبقي لأطفالها وهم الاستقرار.
هي لا تقاوم الحرب بالسلاح،
بل بإعادة ترتيب البطانيات والفرشات والمخدات كل مساء،
وبابتسامة تُقنع بها طفلها أن الخيمة "مؤقتة"،
وبإصرار صامت على أن الحياة، مهما ضاقت، يمكن أن تنفرج من جديد.
هذا الشعور وحده يمنع الأسرة من السقوط الكامل.
في غزة قد تسقط البيوت، لكن ما يزال هناك من يتمسّك بفكرة البيت، حتى لو كان من قماش.