غزة - النجاح الإخباري - -كتب إياد جودة-
لا سياسة بدون ممارسين ولاعبي أدوار ومتوقعين وخبراء، جاءت خبرتهم من العمل والتجربة من ناحية، ومن شخصيتهم وثقافتهم واطلاعهم من ناحية أخرى. والتجربة الفلسطينية، بالذات، هي تجربة غنية جدًا، وهي لم ولن تتوقف عند حدود معينة أو زمن معين، ويمكنني القول بلا مجاملات إنها من أصعب التجارب السياسية في العالم؛ فهي لا تتعرض لخطر آني أو خطر يتجدد كل عشرات السنين نتيجة تحولات ما في المنطقة المحيطة بها، بل هي في دائرة خطر مستمر ومتجدد، في تهديد وجودي يهدف إلى طمس تاريخ الشعب الفلسطيني.
ليست وظيفة السياسي أن يتعامل مع القضايا الطارئة فقط، فالقضايا الطارئة هي جزء من خطة العمل الاستراتيجي، ولا توجد خطط استراتيجية ناجحة ما لم تتوقع أثناء رسمها وصياغتها المتغيرات التي يمكن أن تحدث، وآليات وطرق التعامل معها بشكل عاجل وطارئ. وهذا يعني أن التوقع واستشراف المستقبل جزء أساسي من العمل السياسي، المبني – وفق ما أتصور – على قاعدتين أساسيتين: أولهما معرفة التاريخ، وثانيهما الإحاطة بما هو قائم، وهو ما يمنحنا القدرة على التنبؤ بما هو قادم بشكل يمكن أن يكون صحيحًا.
وهنا لا أستطيع أن أمرّ على هذه الكلمات مرور الكرام، ولا يمكن لي أن أصوغها لمجرد أنني أود القيام بتعريف إجرائي عن مفهوم السياسة والسياسيين. فليس همي أن أقوم بذلك بقدر ما أريد لهذه الكلمات أن تكون جزءًا من التنبيه لما هو معلوم وغير معلوم من الخطر، ولا أريد لها أن تظهر بصورة من يلوم أحدًا أو يحمله المسؤولية، بقدر ما أريدها أن تكون عونًا وتذكيرًا بما يجب أن يقوم به اللاعبون في ملعب السياسة.
وبعيدًا عن السرد التاريخي والحالي لما نعيشه ونتعرض له، وبعيدًا عن التشخيص الذي يجيده الكل الفلسطيني، سواء كان سياسيًا أو غير سياسي، مثقفًا أو غير مثقف، مهتمًا أو غير مهتم، كبيرًا أو صغيرًا؛ فإنه من الواجب أن نفكر، وبطريقة أسرع من البرق، في طرق وآليات الخروج من هذا المأزق الذي بات بابًا للقوى الاستعمارية لإعادة صياغة شكل الحالة الفلسطينية وشكلها السياسي، عبر فرض تصورات غير مقبولة، طالما أن عنوان هذه التصورات هو سلخ الجغرافيا الفلسطينية عن بعضها البعض.
وعلى تلك القوى أن تعي تمام الوعي أن فلسطينيًا واحدًا لن يقبل بما يجري، ولن تجد من يسير معها في الأوهام، وأن أي طريق لا يؤدي في نهاية المطاف إلى توحيد الجغرافيا الفلسطينية ومؤسساتها تحت مظلة واحدة وراية واحدة، وعلى الحدود الفلسطينية المقرّة في القانون الدولي والشرعية الدولية، وعنوانها دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، هو أمر مرفوض.
كثيرة هي التصورات والمبادرات والنداءات، كثيرة هي الدراسات والتصورات والأوهام والأحلام، كثيرة هي المسؤوليات والواجبات، وكثيرة هي الأحداث التي تتطلب منا أن نقف ولو للحظة واحدة، يقول فيها كل واحد لنفسه: لقد آن الأوان الآن أن نرسم للأجيال القادمة طريقًا لا انحراف فيه نحو غدٍ، أبسط ما يجب أن يكون فيه هو وحدة صفنا، ووحدة مواقفنا، ووحدة حالنا.
ما أريده الآن هو أن ننظر إلى المستقبل الذي يعمل الإسرائيليون، عبر مخططاتهم ومستوطنيهم ومتطرفيهم، على جعله مستقبلًا أسود، عبر ما يؤسسون له أمام أعيننا وبرعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك، المطلوب منا، دون أي إبطاء، أن نعلن عن حكومة فلسطينية واحدة تتولى مهامها في كل جغرافيا الوطن. لا نحتاج فيها إلى وساطات، ولا إلى لجان إسناد ولا لجان دعم، مع احترامي وتقديري للرؤية الوطنية التي أقرت وجود لجنة إسناد مجتمعي، لكنني لا أرى ضرورة لمثل هذه اللجان التي تعمل وسيطًا بين الشعب الفلسطيني وحكومته، حتى لو كانت تتبع للحكومة. فلماذا لجنة تتبع؟ ولماذا لا تكون حكومة مسؤولة تفرض سيطرتها على الجغرافيا الفلسطينية كلها؟
ولا أريد أن أقول لكم ما المطلوب بالضبط؛ أريدكم جميعًا أن تشاركوني هذا المطلوب، وأن يعلن كل واحد منكم ما الذي يجب أن يكون. لكن ما أريده منكم هو أن تكون كل الأفكار والمبادرات والطروحات والتصورات والأحلام تسير باتجاه واحد، وهو وحدة الحال والموقف والجغرافيا السياسية الواحدة، التي يسعى الإسرائيليون بكل قوتهم إلى جعلها ممزقة إلى الأبد.