نابلس - النجاح الإخباري - أ.د. سائدة عفونة
في غزة العزة وخلال عامين من استهداف كامل للعملية التعليمية من هدم وتعطيل وقتل وتشريد ونزوح لأكثر من مليون طفل، كانت الإبادة المعرفية مقصودة وممنهجة، وكأن الكتب المدرسية والمباني الجامعية تشكل خطرا على عدو ارتأى أن يحارب الحجر كما يحارب البشر. استهدف الطلبة والمعلمين دون مبرر واضح سوى إنهاء معالم أي إبداع مرتقب أو تميز متوقع. صورة قاتمة بسقوط مباني وحرق كتب وإنهاء ذكريات لجامعات أسست قبل سنين طويلة، وشكلت ذاكرة فردية وجمعية وكونت معارف ومهارات وقيم مرتبطة بماضي عريق وحضارة باقية بقاء الأرض والشجر والبحر. ويأتي هذا ضمن بنية الإبادة المعرفية من محو الذاكرة المؤسسية، وقطع فرص الإنتاج المعرفي، وحرق مصادر الوعي، وتغييب أدوات التعلم.
والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن هل نجحوا في إبادة التعليم؟ وهل المدرسة والجامعة هما المكان الوحيد الذين نتعلم به؟ ألم تتحول الخيمة إلى مدرسة؟ ومراكز الإيواء إلى ملتقى تعليمي؟ ألم يصبح الشارع الخالي من معالم الحياة مختبر تجارب ومعمل عمليات؟ ألم يتحول الردم إلى فرصة للاكتشاف؟ لو قِسنا النجاح بعدد المدارس المهدمة، ولو قسناه بعدد الكتب المحترقة، قد يبدو الجواب: نعم. لكن إن قسناه بعدد الأسئلة التي وُلدت، وعدد الخبرات التي تشكلت، وعدد الأطفال الذين استمروا في التعلم رغم المستحيل، فإن الجواب بوضوح هو: لا. لم تنجح الإبادة المعرفية. بل فشلت، وتحوّلت إلى دليل جديد على قوة المعرفة حين تصبح جزءاً من هوية شعب، وذاكرة وجود، ودليل بقاء وولادة أمل.
سعت ولا تزال المدارس من خلال مناهج منمقة وكتب مدرسية مطبوعة إلى تطوير مهارات حل المشكلات والتفكير الناقد ولكنها وتبعا لنتائج امتحانات دولية لم تستطع أن تعزز مهارات التفكير العليا، وعلى الرغم من كل أشكال الألم والفقد والتدمير أستطاع الغزيون أن يثبتوا للعالم أجمع فشل كل نظريات التربية من أن الألم يقتل الدافعية وأن الفقد يشوش التفكير وأن الحزن يشل الحركة. ونجحت غزة في أن تُثبت العكس تماماً: الألم يمكن أن يكون محركاً للفهم، والخوف يمكن أن يصنع يقظة، والحزن قد يصبح باباً لإعادة تشكيل الوعي. استطاع أهل غزة أن يطوروا مهارات حل المشكلات وخلق أمل جديد لأجل البقاء، وإيجاد البدائل لما ليس له بديل وتطوير حلول بدائية لما يعتبر حديث كالتكنولوجيا والكهرباء وطرق تنقية المياه واختراع وقود لما يسمى أشباه المركبات.
غزة خلقت نموذجاً تعليمياً فريداً، شديد العمق، تحرري شعبي، يتشكل من الفقد، والخسارة، والبقاء، والوعي المتجدد. في اللحظة التي انهارت فيها الجدران، تولدت مدرسة جديدة لا تشبه ما ندرسه في كليات التربية. مدرسة بلا صفوف، بلا مناهج، بلا مختبرات، لكنها تتضمن أهم عناصر التعلم وهي التجربة، والفضول، والتساؤل والتفكر، وبدون أن يقصد أحد، تحوّلت غزة إلى مختبر عالمي للتربية، تربية تجعل الإنسان محوراً، وتعيد تعريف العلاقة بين الألم والمعرفة.
امتلك الطفل في غزة مهارة الخطابة والدفاع عن حقوقه وتساءل عن مصداقية الاتفاقيات الدولية، لم يتعلم التفكير الناقد من درس في الكتاب، بل تعلمه من الأسئلة التي كانت تضرب روحه كل يوم: لماذا فقدت بيتي؟ لماذا فقدت مدرستي؟ ماذا تعني العدالة؟ وهل حق التعلم حق مكتوب أم حق يُنتزع؟ هذه الأسئلة لم تكن مواداً دراسية في المنهج، بل كانت مفاتيح لفلسفة وجود جديدة ولوعي أعمق. الطفل الذي كان يحفظ الدرس أصبح يحفظ تفاصيل الصدمة، والطفلة التي كانت ترسم شمساً على دفترها أصبحت تبحث عن شعاع ضوء في الليل لتكتب اسمها على يدها خوفاً من ألا يُعرف جسدها إن استشهدت.
كان المعلم الغزي قبل الحرب ناقلاً للمعرفة، لكنه في الزمن الجديد أصبح شاهداً على المعرفة وهي تُخلق من الألم. أصبح فيلسوفاً لا عن قصد، يتأمل الحياة مع طلابه داخل مركز الإيواء، يناقش إمكانية العيش وفرحة يوم جديد وكيفية الوصول للمؤن ورائحة خبز مصنوع من العدس، يشرح لهم مفهوماً رياضياً بينما يستحضر في ذهنه أسماء طلبة فقدهم بالأمس، يفسر مفهوم الحرية وهو يعيش النقيض التام لها. معلم عاد إلى طلابه بعدما فقد بيته ليقول لهم: قد ينتهي الجسد لكن المعرفة لا تنتهي، ومعلمة للعلوم تشرح دورة المياه عبر قطرات المطر المتساقطة داخل الخيمة، ومعلمة لغة عربية تحول قصص الأطفال في النزوح إلى دروس في التعبير والكتابة.
استطاعت المرأة الفلسطينية كأم ومعلمة أن تصمد وتصبر وتقاوم في كل المحافل. استمرت بالتعليم والعمل والرعاية والتربية والحب، وإخفاء الخوف، وترميم الألم. حملت حقائب المدرسة بديلا عن حقائب النزوح وحولت خيمتها إلى صف. فكانت هي المدرسة الخفية التي لا يمكن لأي عدوان أن يوقفها. كانت وما زالت تحمل الطفل فوق كتفها، وفي قلبها كتاب ودفتر وقصة قبل النوم. هي التي تُعيد ترتيب الفوضى، وتعيد رسم المعنى، وتصرّ على أن يصبح الركام مكاناً قابلاً للحياة. تجربة غزة مليئة بالقهر والألم تحدت إنسانية الإنسان ولكنها تقدّم مختبراً حياً لما يحتاجه التعليم مستقبلاً، مناهج تضع الإنسان قبل المعرفة، وتربط التعلم بالسياق، وتدمج قيم التحرر والحقوق والوعي بتعليم يحترم الكرامة الإنسانية.