نابلس - النجاح الإخباري - بقلم م. غازي مرتجى- مدير مركز الإعلام
الخلاف الذي برز داخل حركة حماس يبدو منطقيًّا لأسباب متراكبة. فبعد فوز يحيى السنوار، انكفأت مفاعيل جماعة الإخوان المسلمين وتراجعت رعايتها المباشرة للتنظيم. ومنذ نشأة الحركة رعَت جماعة الإخوان قراراتها ووجهتها حتى وقع انقلاب عام 2007، الذي دشّن نمطًا مختلفًا من السيطرة الداخلية. ومع ذلك، لم تتمكن الحركة من التحول إلى تنظيم داخلي صرف على غرار تجارب المغرب وتركيا التي تبنّت مرجعية الإخوان ولكن ضمن مساحة عمل داخلية واسعة تتجاوز خمسين في المئة وبشروط دولة ومؤسسات.
تحت ضغط الحاجات وتعقيدات البيئة، اتجهت قيادات من الحركة نحو إيران، وانضوت تحت مظلتها، ما أثار حفيظة الإخوان عالميًا، فاختار هؤلاء رفع الغطاء عن حماس لفترة طويلة. لاحقًا حاول إسماعيل هنية موازنة العلاقات، غير أن الأمور لم تعد كما كانت، وتعقدت العلاقة بين مدارس الإخوان السياسية والفكرية المتعددة، وبرزت انتقادات من مفكرين إخوانيين لقيادة غزة في حماس معتبرين أنها ابتعدت كثيرًا عن منهجهم وعقيدتهم التنظيمية.
أسباب هذا الانفصال متعددة وتحتاج إلى مختصين في الحركات الإسلامية لتفكيكها، لكن أبرزها يرتبط بطبيعة العقيدة الإخوانية ذات النزعة المحافظة التي تميل في فقهها السياسي إلى توقير موقع الحاكم وعدم الخروج عليه حتى يضعف، وإلى تغليب العمل السياسي والدعوي والتربوي في المساجد والمجتمع على خيار السلاح. لذلك ظلّ الجناح الدعوي داخل حماس، حتى مراحل متقدمة، أقوى من الجناحين العسكري والأمني.
الخلاف الراهن حصيلة تداخل بين أثر الإخوان التاريخي وتحول حاد ومصلحي نحو إيران بفعل ضرورات التمكين والسلطة في غزة، وفشل في تثبيت نموذج تنظيم داخلي مستقر يشبه تجارب دول أخرى. هذا التداخل ولّد توترًا بين مرجعية دعوية سياسية أممية ومقاربة ميدانية صاحبة الفعل على الأرض، فظهرت التصدعات كما نراها اليوم. والمقلق أن خلافات الحركات الإسلامية العقدية تميل عند احتدامها إلى التشدد والعنف الداخلي، بما قد يفضي إلى تصفيات فكرية وتنظيمية وقطاعية داخل الكيان نفسه، مبررة ذلك بآيات وأحاديث تُستخدم لتكفير أو استباحة الطرف الآخر. ومن يقرأ تاريخ المدارس الفكرية الإسلامية يدرك أن مثل هذه الصراعات كثيرًا ما انتهت بالعنف، كما حدث مع فروع القاعدة التي أنبتت النصرة وداعش وغيرهما.
جماعة الإخوان، بصفتها تنظيمًا عقائديًا مرنًا، تتعامل مع كل حالة بسياقها، ما يجعل بنيتها الاستراتيجية مرنة ومتكيّفة من لندن إلى الشرق فالغرب، لكنهم كما نقول “قاريين على شيخ واحد”. من هنا يمكن فهم مفارقة استقبال رئيس وزراء المغرب، الذي وقّع معاهدة سلام مع إسرائيل، لإسماعيل هنية، إذ لم يُبدِ الأخير امتعاضًا علنيًا من تلك الاتفاقية كما فعل مع دول أخرى.
المحرّك الحالي هو محاولة الإخوان إعادة حماس إلى حظيرتهم التنظيمية، في مقابل تراجع نفوذ جماعة المحور وإيران داخل غزة وخارجها، وهو ما يزيد من تعقيد علاقة الحركة بفروع الإخوان. لكل خيار إيجابيات وسلبيات داخل حماس نفسها.
نحن كفلسطينيين يجب أن ندعم الاتجاه نحو توطين التنظيم وربطه بالحاجات الفلسطينية، لا أن يبقى عابرًا للحدود والأفكار الأممية. فكل أهل مدينة أدرى بشعابها، ولا يمكن لمن يجلس في أقصى الشرق أن يحدد طبيعة عمل التنظيم في فلسطين واستراتيجياته وقراراته. لذلك باتت “اللوكلة” سياقًا مهمًا في كل القطاعات، وليس فقط في السياسة والتنظيم، حتى في الإعلام، حيث النجاح يبدأ محليًا ثم يتوسع.
التركيز على هذا الملف ومشاركة الكل الفلسطيني في نقاشه ضروري لإنقاذ حماس من نفسها، لأن أي خيار لا يحمل وكالة فلسطينية حقيقية سيكون بلا جدوى، وربما يحمل أضرارًا أكبر من ترك الأمور على حالها. هناك جهات عقدية وتنظيمية في فلسطين قادرة على تحديد اتجاه التنظيم بعد دراسة واقعية بعيدة عن الشعاراتية لما وصلت إليه حماس وما يجب أن يكون دورها.
من المهم أن تجد الحركة محللين ومفكرين وباحثين موضوعيين لا يخشون النقد، بدل الانجرار وراء الأصوات التي قد تقودها إلى نهاية محزنة وأليمة. فهناك رأيان: الأول يدعو لتركهم يعمهون، والثاني إلى مساعدتهم على الاندماج في فلسطين ومعها. والأخير، برغم صعوبته، يبدو أقل كلفة إن كان في الحركة من يسمع النصيحة بحق.