النجاح الإخباري - كتب المهندس غازي مرتجى مدير مركز إعلام النجاح:
ملخص : لو لم يحدث تضخيم للتوقّعات، ولو لم تُؤطِّر مفاعيل الإخوان المسلمين قطاعَ غزة بوصفه كيانًا خارقًا وتابوهًا يمنع انتقاده أو نقاشه، لما استمرّت المقتلة حتى اليوم، ولما كانت حماس لتتعرّض في العامين الماضيين لضغطٍ -افتراضي- يكلفها خسارة سرديةٍ بُنيت على بروباغندا غير واقعية وبها ترميز للخارق..
١/ كل من تغنّى ببطولات الأفراد – وهي حقيقية وواقع – ثم عمّمها على التنظيم، بل وعلى الامتداد الأوسع (الإخوان المسلمين)، وقع في فخٍّ نفسي وسياسي كبير. فالنتيجة كانت خطابًا عاطفيًا مُعبّأ، محدود الفاعلية-استراتيجياً و تكتيكياً-، وغير محسوب النتائج.
٢/ الإعلام لعب الدور الأبرز في صناعة هذا الفخّ؛ إذ حوّل التنظيم إلى كيان مقدّس، وأسقط الفعل المقاوم الفردي على الجماعة كلها. بهذا، صار المجموع مقدّسًا، وتحوّلت الشعارات الدينية إلى أفيونٍ تعبويٍّ قديمٍ في قالبٍ جديد، تُقدَّم فيه الصورة على أنها المعركة، واللقطة أهم من النتيجة. وهكذا ارتفع سقف التوقّعات فوق ما يحتمله الواقع -الجزيرة لعبت الدور الأخبث-.
٣/ بعد توقيع الاتفاق الاخير، هذا الخطاب ولّد أزمة مصداقية داخل البيئة الداعمة – خارج غزة تحديدًا – لأن الإنجاز الجزئي، كوقف الحرب أو الحفاظ على الوجود، بدا أقلّ من الوعود الأولى. فحدث الشرخ بين ما رُوي وما أُنجز، ليس بسبب الخطابة وحدها، بل لأن المتغيّرات السياسية كانت أعمق من قدرة الخطاب على إدراكها.
٤/ خطة ترمب كانت مثالًا كلاسيكيًا على هذا الفشل: بناء وهمٍ ضخمٍ بوعودٍ خارقة ثم ترك الواقع ليبتلع الرواية. حماس تكرّر التجربة ذاتها، إذ لم تحسب التفاصيل ولا توقّعت النهايات، وظلّ تفكيرها محصورًا بعقلية ما قبل السابع من أكتوبر. حتى مشهد الإفراج عن كبار الأسرى، الذي كان يمكن أن يمنحها رمزيةً تعويضية، أفشلته إسرائيل، فانكشفت محدودية السردية وعدم واقعيتها ،وارتدّت عليها.
٥/ في الجوهر، ما انتصر هو صمود الناس — لا لأنهم يملكون فائضًا من الشعارات، بل لأن ليس لديهم سوى غزة يمارسون فيها وطنيتهم. بطولات الأفراد كانت كافية لتشكيل سردية مقاومةٍ فردية فلسطينية صادقة، لكنّ الماكينة الدعائية حمّلتها ما لا تحتمل. ولو بُني الخطاب على منطق العاقل، لانتهت الحرب بمنطق المنتصر الواقعي، لا “المحوري"-ايران- .
٦/ كان الأجدر بحماس أن تبني سرديتها على “المواطن المقاوم” لا “المقاتل الخارق”، لكن مفاعيل الإخوان وأذرع الخارج اختارت الصورة الأسهل للترويج: البطولة الخارقة، والقتال مع الملائكة. وهنا بدأ انهيار ما يُعرف في العلوم السياسية بـ”السردية المفرطة”؛ حين تتجاوز الرمزية قدرة الواقع على الصمود. والنتيجة الطبيعية هي الارتداد: تحوّل الرمز إلى عبءٍ على نفسه وفي حالتنا على القضية ،الناس و الواقع المُعاش.
٧/ من كتابات مؤيدي الحركة أنفسهم يمكن لمس الغصّة: محاولات إنكارٍ وتبريرٍ، تختزل محاسن الاتفاق في “وقف التهجير والقتل”. تضخيم الذات والتنظيم كان سببًا في هذا الشعور بالخذلان، وهو ما يجب الاعتراف به مع إيماني الشخصي أن حماس حصّلت أفضل الممكن ..
٨/ تحربة البروباغندا ليست جديدة: حزب الله رسم لنفسه هالةً مشابهة فسقط في فخّها؛ الصوت علا على الفعل حتى جاءت محزرة البيجرات فكشفت الوهم، وانكشفت معه هشاشة البنية. إيران – صاحبة مدرسة التضخيم الدعائي – واجهت المصير ذاته؛ فانهارت سردية القوة التي “تهدد بإزالة إسرائيل في 8 دقائق”، وتحولت إلى خطابٍ مفرغٍ من القوة بعد انهاء قيادات صفها الأول بأقل من ٨ دقائق .
٩/ في النهاية، حماس فعلت ما استطاعت ضمن الواقع المعقد ،بطولات الأفراد واقعٌ لا يُنكر، لكن الدعاية المفرطة والتعبئة غير المنضبطة تستحق دراسةً علمية معمّقة لتجنّب تكرار هذا النموذج، خصوصًا لدى التنظيمات العقائدية التي تميل إلى تحويل المعركة إلى أسطورة. ففخّ تضخيم التوقعات يسقُط مع انهياره كل شيء.
١٠ / شكل عدم الإفراج عن كبار الأسرى وأسرى الضفة ذروة اختبار السردية التي بنتها حماس لنفسها. فبعد أن رُفع سقف التوقّعات إلى مستوى “تبييض السجون على الاقل”، تَحوّل الملف إلى عبءٍ استراتيجي، لا ورقة إنجاز. كان يمكن للإفراج عن كبار الأسرى أن يكون لحظة رمزية تُعيد للحركة توازنها وتمنحها رواية جديدة تُغلق بها مرحلة ما بعد السابع، لكنّ إسرائيل أدركت حجم الرهان فسحبت هذه الورقة، ليُسجَّل في الوعي الجمعي ارتداد آخر من ارتدادات “فخّ تضخيم التوقّعات”؛ حين تصبح البروباغندا المفرطة سلاحًا ضد من استخدمه..
١١/ شكلّ تنميط غزة وحماس كونهم جبابرة خارقين مخرجًا مهمًا لمجموع المؤيدين والمناصرين ب أن بات دورهم المشاهدة والتصفيق دون فعل واقعي حتى لو بتظاهرة خجولة أو حتى مقاومة واقع الاحتلال باللسان فقد ركنوا إلى الخارق للخلاص وباتت هذه السودية ملاذًا لضمير المتفرجين فلم يشعروا يومًا بالتقصير بحق مشاهد إنسانية لأن المستهدف خارق .. بينما تعاطف ملايين من غير المتعرضين للبروباغندا فتظاهروا بشكل دوري ولم يركنوا الى الخارق ..
١٢/ بناء سردية الخارق بدأ قبل السابع بكثير .. في السابع كان النداء (شاركوا و ساندوا وأسقطوا الأنظمة وزوال اسرائيل اقترب) وقبيل نهاية عامين على السابع بات النداء (صلّوا ودثرونا بالدعاء وتبرعوا بصدقاتكم) ،هذا يكشف خطورة البروباغندا و نتائجها بعد الاختبار الحقيقي و الواقعي للجماهير التي شكلّت مجموع سردية الخارق..
١٣/ ما ورد أعلاه ليس انتقاصًا من أي جهة وفعل بل هو محاولة تبسيط مفهوم البروباغندا السلبية التي ارتدت على اصحاب القضية وقد يكون هذا الباب بداية لنقاش فلسطيني مستفيض حول خطايا وأخطاء ثلاثة أرباع قرن من المحاولات!
١٤/ قد تفيد هذه النظرية في فهم مستقبل الأشياء ، بدأت بروباغندا الانتقام والعودة لحكم الناس بالقوة في غزة بعد الاتفاق ، هذا التفكير يجب أن يتوقف ولو كنت ناصحًا لنصحت حماس بالتعميم على قواعدها بأن لا يرفعوا سقف التوقعات ولا يوغلوا في الدم انطلاقًا من فكرة استمرار السيطرة .. فالقصة لم تنته حتى الآن
وبرأيي المتواضع
لن تنتهي ..