غازي مرتجى - النجاح الإخباري - في لحظات ما بعد العاصفة، لا يكون المطلوب ترميم الماضي، بل تأسيس حاضرٍ أكثر عدلًا وصلابة.
غزة اليوم لا تحتمل خطاباتٍ بلاغية ولا مزايداتٍ سياسية؛ تحتاج بوصلة أخلاقية وخطةَ تعافٍ عملية. ما يلي ليس بيانًا شعاريًا، بل مسارًا قابلًا للتطبيق، يضع الإنسان في مركز المعادلة ويعطي المجتمع أدواتٍ ليعيد إنتاج أمنه وعدالته وكرامته.
1) تحريم الاقتتال الداخلي… خطٌّ أحمر
أول لبنة في أي عمران: صون الدم. إطلاق النار أو الاعتداء على أي فلسطيني — تحت أي ذريعة — جريمة وطنية وأخلاقية ودينية. قرارٌ جامع بمرجعية وطنية–دينية–عشائرية–قانونية يعلن تجريم الاقتتال الداخلي ويحوّله من “خلافٍ يمكن التعايش معه” إلى “محرّمٍ مطلق”. من دون هذا الحاجز الأخلاقي الصارم، كل مشروع بناءٍ وهم.
2) العدالة بروح القانون لا بنصوصه
حين تتصدّع البنية النفسية والاجتماعية، تصبح حرفية النص قاسيةً كالحجر. العدالة هنا تحتاج قضاةً يحكمون بروح القانون، يقدّرون الضرورات ويقيسون المآلات. فعلها عمر بن الخطاب في عام الرمادة حين أوقف الحدود؛ فلنوقف نحن أحكامًا تُعيد إنتاج الكارثة بدل أن تُصلحها. الهدف: حلولٌ وتوافقات تُضمّد لا تُمزّق.
3) التعافي من القاعدة إلى القمّة
التعافي مشروعٌ عنقودي: أسرة → حارة → حيّ → مخيّم → مدينة → قطاع. مبادراتٌ متشابكة تُعيد الثقة وتستعيد الروابط. ونعم، “عفا الله عمّا سلف” ليس تبريرًا للنسيان، بل إطارٌ اجتماعي لإغلاق دوائر الأذى والانطلاق إلى الأمام مع آليات مساءلة ترمّم ولا تنتقم.
4) تعويض الفاقد التعليمي… مهمة المجتمع كلّه
لا نهضة من دون مدرسة. خطةٌ تعليمية طارئة تُضاعِف الدوام في المراحل الأساسية، وتسخّر أهل الخبرة والمعرفة — من “كادوا أن يكونوا رُسُلا” — لسدّ الفجوة. التعليم هنا إسعافٌ معرفي ورافعة كرامة معًا.
5) ضبط السلاح… أمنٌ واحد وقاعدةٌ واحدة
لا أمن مع فوضى السلاح. قرارٌ وطني يقصر حمل السلاح واستخدامه على إطارٍ أمنيٍّ واحد، بضوابط استخدامٍ مشدّدة ومسؤوليةٍ واضحة. السلاح المُنضبط يَحمي؛ السلاح المُفلت يُفجّر المجتمع من داخله.
6) مصالحةٌ بينية تُغلق الجراح
“المصالحة البينيّة” مبادرةٌ مجتمعية–سياسية–عشائرية–مدنية شاملة، تُعالج ما خلّفته الحرب من أوجاعٍ وقصصٍ لا تُروى. نحتاج آليات كشفٍ وترميمٍ وتعويضٍ معنوي ومادي، مع تعهّد جماعي بإغلاق هذه الصفحة إلى الأبد.
7) صمتٌ واجب بدل أفراحٍ عابرة
عند وقف إطلاق النار، لا مكان لطبول الفرح. تُجمَّد المظاهر الاحتفالية احترامًا للمفقودين والناجين معًا. الفرح الوحيد المسموح هو توقف الموت؛ وما عداه صمتٌ تأمّلي يَصون الكرامة ويُذكّر بالواجب.
8) حيادٌ مؤقّت… لالتقاط الأنفاس
يُعلن قطاع غزة — أرضًا وسكانًا — منطقة حياد فلسطينية مؤقتًا. ليس انسحابًا من القضية، بل فسحةُ تنفّسٍ لاستعادة التوازن وترميم الداخل، كي يصبح البناء المستدام ممكنًا.
9) تكافلٌ وطني لرعاية أيتام الحرب
كلُّ يتيمٍ مسؤوليةُ وطنٍ بأسره. تُطلق حملة إنسانية شاملة لتبنّي أيتام الحرب ورعايتهم، على نهج مبادرات “رعاية الأيتام” المؤسسية لكن بإسنادٍ مجتمعي واسع، يضمن الكفاية المادية، والرعاية النفسية، والمسار التعليمي.
10) إسكانٌ مؤقّت بكرامة… واستثمارٌ للمستقبل
البدء فورًا بمناطق سكنٍ مؤقتة مصمّمة للتحوّل لاحقًا إلى مناطق تجارية حرّة. هكذا نحفظ الكرامة اليوم ونخلق غدًا فرصًا اقتصادية تُعيد دورة الحياة، بدل أن تتحوّل المخيمات المؤقتة إلى فقرٍ دائم.
كلمةٌ أخيرة
هذه الوصايا ليست “قائمة رغبات”، بل ميثاق نجاة. قيمُها بسيطة: حرمة الدم، رحمة العدالة، أولوية التعليم، سموّ الكرامة، وسيادة المجتمع على مصيره. إن التزمنا بها، نضع حجر الأساس لغزةَ جديدة: أقلّ ضجيجًا، أكثر عدلًا، وأوسع أفقًا.