سامي أبو سالم - النجاح الإخباري - نعم، بل روائح، على رأسها رائحة الاحتراق بأنواعه، وفي مقدمتها رائحة احتراق زيت الطبخ في محركات السيارات. فبعد أن منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي دخول الوقود لقطاع غزة يضطر السائقون ومالكو المركبات لاستخدام زيت الطبخ، وكي يساعدوا على عملية الاحتراق، يتم خلط لتر من السولار مع 4 ليتر زيت طبخ، فتخرج من عادم السيارة رائحة خليط غريب لا مثيل ولا وصف لها، أما المركبات التي تسير باستخدام البنزين فلا تستطيع فعل ذلك.

رائحة القمامة أيضا، سيما المحترقة منها، من روائح الحرب، فلا يجرؤ عمال البلدية على نقل النفايات إلى المكبات المخصصة لها "بعيدا" عن التجمعات السكنية، لأن ذهابهم هناك يعني الموت الحتمي سيما وأن المكب ليس ببعيد عن الحدود الشرقية لغزة. فيضطرون لكب النفايات على مدخل المخيم أو المدينة، أو في احدى جوانب أي تجمع سكاني لحين ميسرة، وتنتج روائح وغازات جاذبة لجميع أنواع الذباب والحشرات والجوارح، فيرافقك الباعوض ليلا والذباب نهارا والصراصير على مدار الساعة...  وفي محاولة "للتخفيف من الحشرات" يشعل البعض النار في القمامة فتهب رياح تحمل الدخان الخانق المنبعث من الزبالة إلى خيام وبيوت السكان والنازحين ليبدأ فصل جديد من الهم والغم.

ومن روائح الحرب هي رائحة "كترة"، الدخان الأسود المنبعث نتيجة حرق البلاستيك والأسفنج. فبسبب شح غاز الطبخ وارتفاع سعر الكيلو الواحد إلى 65 شاقل [حوالي 17 دولار]، يلجأ النازحون وغير النازحين للطبخ وخبز العجين بنار الحطب، لكن لا يوجد حطب، بل وتقريبا نفد، فيضطروا لإيقاد أكياس بلاستيكية وقنينات الماء والزيت الفارغة وقطع اسفنج من البيوت المدمرة وأي قطعة بلاستيكية تقع أيديهم عليها، لذا تجد أطفالا وفتية يجوبون الشوارع يلملمون أي قطعة بلاستيكية.

ومن أشهر الروائح التي بات يألفها الانسان في الحرب هي رائحة المجاري، 70% من شبكات الصرف الصحي مدمرة في قطاع غزة بفعل الغارات الإسرائيلية، وفقا لتقرير ل "أوكسفام"، وأيضا مضخات الصرف الصحي لا تعمل بسبب شح الوقود أو بسبب تدميرها، لذا تجد أنهارا من المجاري بين وحول البيوت وبسطات الباعة وخيام النازحين، تنبعث الروائح بشكل وقح لا يمكنك الاعتراض عليه، فكل مواطن يساهم في تدفقها عبر استخدامه للحمام، يزيد من وتيرتها تكدس أكثر من مليون ونصف إنسان في محافظة وسط غزة التي كانت تأوي أقل من نصف مليون.

ومن الروائح التي تنتشر في الحرب، وهذه المرة زكية، هي رائحة الخبز الطازج، فمع كل صباح يشعل النازحون النار لخبز ما تيسر من العجين، بعضهم صنع فرنا من الطين فيما يعتمد آخرون على خبز "الصاج". وتملأ رائحة الخبز الممرات بين الخيام، وشوارع المخيمات والمدن أيضا، رائحة تجتر لهنيهات شيئا من الطفولة وتمتعك بقليل من التوازن النفسي.

ومن الروائح الملازمة للحرب هي رائحة العفن والعتق. فمع نزوح أكثر من مليون مواطن يبحث المواطنون عن ملاجئ للإيجار، بيوت أو شقق أو مخازن أو اسطبلات. وتكمن رائحة العفن في الأثاث والجدران والمفروشات في الشقق التي غاب عنها أصحابها لسنوات وتركوها في عهدة أحد الأقارب أو الجيران فيتم استغلالها للإيجار، واستغلال المستأجرين بالطبع، تدخل لتتفحص الشقة فيجتاح العفن منخريك، رائحة السجاد "المعطبن" والغبار لا تفارق البيت.

ومن أبرز الروائح هي رائحة العرق المعتق، فانعدام المواصلات يجبر كل نازح أن يجاور نازحا آخر عند التنقل، سواء على كارة تجرها دابة، أو عربة فصلت حديثا تجرها سيارة، يتزاحم الركاب تحت الشمس وسط الغبار. يتسربل الركاب بالعرق المعتق، فشُح المياه لا يسمح لأي من النازحين ببذخ الاستحمام اليومي ولو مرة، ويزداد العرق تعتقا بالوقوف في طوابير الخبز والماء وعلى عتبات التكيات "الخيرية".

ومن الروائح التي باتت مرتبطة بالحرب هي رائحة الجفت، فالحرب بدأت أوائل أكتوبر، وكانت معاصر الزيتون قد بدأت تشغل ماكناتها، وأخذت رائحة الجفت تنتشر في الأحياء التي تحتضن المعاصر سيما في الأماكن أطراف المدن. انتهى موسم الزيتون العام الماضي ولم يسعد المزارعون بموسمهم، فمنهم من ترك أرضه وبيته وفَر تحت وقع الصواريخ، ومنهم من دمرت طائرات الاحتلال حقله... مر عام وعادت رائحة الجفت، والحرب مستمرة.

أما رائحة الموت فهي الرائحة الأقوى والأقسى والأشهر، باتت محفورة في ذاكرة الأنوف، رائحة الدم واللحم البشري المحترق، مزجت برائحة البارود والغبار والأسمنت، جعلت من أنف الصحفي أداة تحدد ما إذا كان هناك شهداء أم لا في قصف دمر منزلا قبل قليل. وأكثر ما تجد رائحة للموت قرب ثلاجة الموتى التي تؤوي جثثا بشكل مؤقت قبل "إكرامها"، أو شهداء تم انتشالهم من الركام بعد عدة أيام من استشهداهم بانتظار من يتعرف عليهم.