وكالات - تحسين يقين - النجاح الإخباري - ترى ماذا فعلت السنوات بنا 75 أو تزيد؟ وما الذي نقرؤه نحن؟ والغزاة؟ والعالم؟
مسيرة الشعر الجماعي تشبه مسيرة الشاعر نفسه، وينطبق عليه في مراحل تطوره ومراحله العمرية ما ينطبق على الجماعة؛ فقد تجد اتجاهات الشعر الفلسطيني الحديث والمعاصر ممثلا بسيرة الحياة الشعرية لشاعر ثمانيني أو أكثر، لسبب طبيعي يتعلق بانفعالاته الشعورية والفكرية تجاه ما يجد في الحياة الفلسطينية موضوعيا بشكل خاص، وما ينفعل هو به على المستوى الذاتي إنسانيا، وما يتفاعل بين الموضوعي والذاتي.
والمكان الذي نحن إزاءه هو فلسطين العام 1948، والزمان هو هذا الزمن. وما المكان والزمان بمنأى عن المكان الفلسطيني والعربي والعالمي، ولا عن الزمان - التاريخ، خصوصا في استمرار العامل الموضوعي المؤثر على الأفراد والشعب.
نحن في حالة استطلاع واكتشاف وتأمل أيضا. كما إننا في حالة تفكير في التاريخ الأدبي من جهة، وتفكير باتجاهات الشعراء/الشاعرات من جهة أخرى.
ثمة اتجاهات واضحة تتعايش ولا تتناقض، تكمل روح الإنسان الفلسطيني الباقي هناك، وقد تكون مجتمعة لدى شعراء وشاعرات، وقد تكون ظاهرة بتركيز نحو اتجاه محدد، خصوصا لدى الجيل الجديد، الذي يحاول الاهتداء لصوته الخاص، في ظل التحولات العميقة التي أثرت على الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، بما فيه المكان الأصلي، علما أننا وجدنا نضوجا للشعر شكلا ومضمونا باتجاهات ناقدة لدى أصوات، تتجاوز المضامين التقليدية للشعر الغنائي. ولعلّ من تلك الأصوات أصوات نسائية طموحة نحو التغيير الفكري والثقافي.
نستطيع أن نجمل بعض من استطعنا رصده من اتجاهات شعرية، من خلال الاطلاع على جزء من الإنتاجات الشعرية، مركزا على المضامين أكثر من الشكل الفني، علما أن إيراد الشعراء هنا يتم وفقا للاتجاهات لا للتقييم الإبداعي.
ولعلنا نزعم أن اتجاهات الشعر في أراضي 1948، تتراوح ما بين الهموم الموضوعية الوطنية والقومية، والهموم الجامعة بينها وبين النزعة الإنسانية الفردانية، وبين الشعر الذاتي، ونختتم بالشعر النقدي فكريا وثقافيا؛ علما أننا نراها تجتمع ليس في الشاعر نفسه كما أسلفنا، بل في القصيدة الواحدة نفسها.
وهكذا فإننا نرى أن تلك الاتجاهات لا تبعد عن اتجاهات الشعر الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة (فلسطين 1967)، ولا عن الشعر في الشتات، بل ولم تبعد كثيرا عن اتجاهات الشعر العربي. أما أهمية ذلك دلاليا فهو قدرة الشعب الفلسطيني في أراضي   48، في الشعراء/ات تحديدا في الانسجام مع الهم الفلسطيني والعربي، دون نسيان الذات المبدع في ظل الانطلاق الشعري إنسانيا، لدى معظم القصائد هنا، سوى من وجود محدود للخطاب المباشر، والذي ما زال يمثل اتجاها معنويا وفنيا. وهذا يعني حيوية الشعر والشعراء، وحيوية البقاء الوطني والقومي والإنساني.
ولعلّ الشاعر الكبير المرحوم حنا أبو حنا في قصيدته «كيف يُغْسَلُ عن شارعٍ ثاكلٍ قَمَرُ الأرجوان؟» التي نبتدئ بها، قد أعلن عن هوية هذا النوع من الشعر:
«هذه الأرضُ
أقرؤها نبتةً
مثلما راحتي!
في الفؤاد خريطة فتنتها
....
من سنديان الجبالِ
إلى النخلِ في الغَوْرِ
من شاطئ البحر ... للنهرِ
من شفة الجرحِ حتى جذور الدّموع
نوّصَ العمرُ
لم تخْبُ نار الهوى»
في حين يعزف الشاعر العميق حسين مهنا على هذا اللحن الأساسي مستخدما لغة أخرى  تجمع الذات والعام في قصيدته «فطائر بقل وفرح»، حيث يربط الشاعر بين حياة الأسرة وتاريخها عبر وصف الجدة - والأم وبين الوطن:
«سَنَةٌ أُخْرى تَنْضافُ إلى سَنَواتِ العُمْرِ
وما زالَتْ تَجْمَعُنا نَقَراتُ أَصابِعِها حَولَ الطَّبْلِيَّةِ
وَهْيَ تُعِدُّ فَطائِرَ بَقْلٍ شَرِبَ صَفاءَ المُزْنِ
وغَذَّتْهُ الشَّمْسُ
وأَرْضٌ تَعْرِفُنا من وَقْعِ خُطانا»
ولعنا نجد هذا الاتجاه واضحا في قصيدة الشيخ والبحر للدكتور فاروق مواسي، وإن نزع إلى الرمز واللغة الإيحائية:
«تَسْأَلُ أَمْواجٌ مُتَكَرِّرَةُ الإيقاعْ
في صَوْتٍ مُلْتاعْ
عَنْ غَيْبَةِ شَيْخْ
فَأَمانَتُهُ في القُمْقُمِ في القَاعْ»
في «سقُوُطُ المنافي» للشاعرة أيمان مصاروة، نلمس الهم القومي بشكل مباشر، في نزعة عروبية تجمع بين ما يحدث من استلاب للأوطان:
«يا دمشقُ
أما لحزنِكِ من غيابٍ
يا طفولتَنا البريئةَ
في رِواقِ الياسمينْ»
أما اتجاه الجمع الموضوعي والذاتي فنزعم أننا وجدناه في التجارب الآتية لدى كل من الشاعرة سلمى جبران والشاعرين جريس ديبات وتركي عامر.
ونترك للقراء/القارئات ملاحظة ذلك في هذه الاقتباسات، والتي يمكن استجلاؤها لدى قراءة القصائد الثلاث في الملف.
نقتبس من قصيدة اللاوعي لسلمى جبران:
«ورأيتني أجتثُّ من أرضِ العذاب
جذوريَ السّوْداءْ
ورأيتني أحيا وأكبرُ
ترتقي كلُّ الجذورِ بداخلي
نحوَ السّماءْ ..
ورأيتني أحيا جنوني
أستجيرُ بِهِ إذا طعَنَ الورى فيَّ انتِماءْ»
ونقتبس من قصيدة «كما في السماء» للشاعر جريس ديبات:
«كما في السَّما . . .
كَذاك على أرضنا المُتْعَبَهْ
يسيرُ الزمانُ إلى لا زمانْ
ويمضي المكانُ إلى لا مكانْ
وتُمسي الحكايا التي بَيننا
رُكامَ غُبار على مَكْتَبهْ»
ومن قصيدة الشاعر تركي عامر «هي الريح أمي» نقتبس:
«ومَنْ أَنْتَ؟!»، تَسْأَلٌ بِنْتٌ
تَعِيشُ احْتِضَارًا وَرَاءَ الْجِدَارْ
رَدَدْتُ: أَنَا شَبَحٌ لأَبِي/ لأَخِي، لاَ اسْمَ لِي
سَابِحًا فِي أَعَالِي الْبِحَارْ
هُوَ الْبَحْرُ خَصْمٌ لِرِيحِي، وَرِيحِيَ رُوحٌ
تَرُوحُ وَتَأْتِي بِلَا اسْمٍ وَدَار»ْ
أما الاتجاه الذاتي المستغرق في الذات عشقا وتأملا، فنجده لدى الشاعرتين رانية إرشيد وآمال رضوان؛ فمن قصيدة «أفول» للشاعرة إرشيد نقرأ:
«مَا تَبَقى مِن مَلامِحِي
سَأُشَّرعُهُ نَوافِذَ لِشَهَواتِ القَلب
سَأجعلهُ كاملَ جَسدٍ
يَتهجّاهُ اللّسانُ وتُضيئهُ اليدان»
ومن قصيدة «تَجَاعِيدُ نَارِي.. مَوْشُومَةٌ بِالْعُزْلَةِ! للشاعرة آمال رضوان نقرأ:
«دَغْدَغَتْهَا غَيْمَةٌ نَافِرَة
وَكَم نَ عَ فَ تْ نِي
عَلَى ذُرَى نُهُودِهَا
لِأُوقِـــــدَ .. نِيرَانَ مجُوسِهَا الْمُقَدَّسَة»!
وكلتاهما تحتفيان بالجسد وتنحازان له، باعتباره الملازم للحب، فالخلاص في الحب يكون به ومن خلاله.
أما اتجاه النقد الاجتماعي والفكري الشديد فنجده في قصيدة «الشرق» للشاعرة الدكتورة نداء خوري:
«انفتحَ بابُ الشرقِ
وبابُ الشرقِ رجالٌ
ليلُهُم قاطعٌ في ليلِ المقاهي والأراغيلِ والهالِ
ليلـُهُم قادرٌ على الحريمِ
أنْ يـُغْلـِقَ الشمسَ يُعدِمَ الممكنَ يـُعلنَ المحالَ
...........................
بابُ الشرقِ بلادٌ لا بابَ لها
إلا رحمةَ سلطانٍ
تغلقُ البابَ على أهلِها»
عودا على بدء، ثمة أصوات أخرى، على مدار مراحل مرت وما زالت، تؤكد على جوهر وحدة الشعب الفلسطيني، بالرغم من التعرض المستمر منذ عقود لتدمير النسيج المعنوي والمادي لفلسطين. لربما نحتاج هنا لقراءة فكرية تظهر بوضوح أنه مهما كانت قوة الكولونيالية عالية، فإنها لن تستطيع هزيمة الشعور بالوطن والحياة.