بلال النتشة - النجاح - تواصل اسرائيل عملية التهجير الجماعي والفردي في القدس، وفي المقابل تستمر في عملية تهويدها بإجراءات ملموسة على الأرض . فقد صادقت حكومة الاحتلال قبل نحو أسبوعين على قرار نقل الدوائر والمكاتب الحكومية الى القدس الشرقية . وتضمن القرار فرض عقوبات مالية على من لا ينفذه وذلك في خطوة عملية على طريق تكريس المدينة كمركز لصناعة واتخاذ القرار السياسي والعسكري ضد شعبنا وقيادته ، وهو ما يشكل تطبيقا فعليا لقرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال قبل رحيله عن البيت الأبيض .
ولعل ما يجري في الشيخ جراح وسلوان وواد ياصول والطور، وأخيرا الشروع بإقامة اكبر مركز للتطبيع على أراض خاصة في الخان الأحمر، يشكل بمجمله شواهد حية على تنفيذ مخطط التطهير العرقي للفلسطينيين المقيمين في هذه الاحياء العربية الكنعانية منذ آلاف السنين واحلال المستوطنين مكانهم ضمن خطة لجعل القدس ذات اغلبية يهودية خلال السنوات القليلة القادمة اذا يرمون الى دفع 300 الف مستوطن ليصبح عدد اليهود المقيمين في القدس يناهز ال 500 الف في مقابل نحو 350 الف مقدسي نزح منهم عشرات الالاف الى مناطق عديدة في مقدمتها كفر عقب ومخيم شعفاط القابلين للانفجار السكاني في أي وقت بفعل الاكتظاظ البشري الهائل المكدس في علب اسمنتية.
السؤال المطروح : لماذا يهجر المقدسي مدينته طوعا او قسرا ؟ الإجابة تتمثل بما يلي :
أولا : الاحتلال يستخدم كافة الوسائل التي من شأنها اشعار المقدسي بانه يعش في جحيم ولا يمكن له الاستمرار وعائلته في داخل المدينة بلا سكن او عمل او مصدر رزق.
ثانيا: فرض الضرائب الباهظة التي ترهقه واسرته دون أي مقابل ، وبالتالي يضطر مرغما على البحث عن بديل للعيش في حالة من الاستقرار الاقتصادي في منطقة لا يوجد فيها ملاحقة على هذا الصعيد حتى وان كانت العشوائية فيها هي سيدة الموقف ” مخيم شعفاط وكفر عقب نموذجا”.
ثالثا: ارتفاع أسعار الأراضي بشكل فاحش حيث لا يستطيع المواطن الذي يعمل بالمياومة او لديه مصلحة تجارية متواضعة،ان يشتري مساحة ما لإقامة بناء عليها لأنه ببساطة لا يمتلك حتى الجزء اليسير من ثمنها على الرغم من ان معظم افراد العائلة يعملون في مجالات مختلفة، الا ان تكاليف الحياة الباهظة في القدس ترهق الجيوب وتجعل المقدسي يعاني طيلة أيام السنة .
رابعا: ارتفاع تكاليف رخص البناء وهي سياسة مقصودة ،اذ تتعمد البلدية ارهاق المقدسي لسنوات طويلة ما بين مد وجزر ومماطلة وبيروقراطية ورسوم باهظة وفي نهاية المطاف لا تصدر الرخصة بعد ان يكون مقدم الطلب قد استنزف ماليا ما يعني انه يضطر للبحث عن بديل وهو بالتأكيد سيكون خارج حدود القدس .
خامسا: فرض حصار مشدد على البلدة القديمة والتي بدونها لا تعني القدس شيئا ،وهنا ترمي سلطات الاحتلال من خلال ذلك الى عزل المسجد الأقصى المبارك وجعله مسرحا مفتوحا امام استباحة غلاة المستوطنين له من أمناء ما يسمى “جبل الهيكل” وفصل كنيسة القيامة وجعل الدخول اليها بقيود مشددة. ومن ناحية ثانية قتل الحركة التجارية بكل مكوناتها ونقلها الى الأسواق التجارية الإسرائيلية الكبرى المتاخمة، ما يعنى سلخ البلدة كليا سياسيا ودينيا واقتصاديا وفي المقابل دفع آلاف المستوطنين اليها ليكونوا شوكة في حلق المقدسيين السكان الأصلانيين الموغلين في التاريخ .
تأسيسا على ذلك فان القدس تقبع في عين العاصفة وعلى صفيح ساخن ، فدولة الاحتلال تحث الخطى سريعا نحو التهويد على جميع الجبهات فالأرض والسكان والمنازل المهددة بالهدم ” الطور نموذجا ” والمسجد الأقصى المبارك، كلها في حالة استهداف مستمرة . فماذا بقي في القدس حتى نراهن عليه غير الانسان المقدسي العظيم الذي يرابط في مدينته رغم كل ما يتعرض له من مجازر جماعية وفردية .
اذا، ما العمل؟
لعل اجتماع حكومة د. محمد اشتية الاسبوع الماضي على تخوم القدس واتخاذ قرارات جد صادقة وفي مكانها ، إشارة واضحة الى اهتمام القيادة الفلسطينية بتعزيز الثبات في القدس ومواجهة الإجراءات الإسرائيلية بإجراءات مضادة . ونحن كجزء من هذه المنظومة الحكومية نرى انه من الإيجابي جدا بل ومن الواجب علينا ان نلتقي بشكل دوري بممثلي المجتمع المقدسي بكل مكوناته بهدف التشاور وتلاقح الأفكار للخروج بخلاصات وتوصيات قابلة للتنفيذ العملي وهذا اضعف الايمان ، إضافة الى ذلك علينا تفعيل الاتصال مع الجهات العربية والإسلامية لوضعها امام مسؤولياتها تجاه المدينة المقدسة ، فمن غير المنطقي ان يبقى الفلسطينيون وحدهم يقاتلون في الميدان ويدافعون عن مقدسات وشرف الامة في مسرى نبيها الكريم. فهذه المدينة ملك للعالمين الإسلامي والمسيحي ويتوجب عليهما الدفاع عنها وحمايتها بكل الوسائل المتاحة. كما يجدر هنا، التأكيد على دور وزارة الخارجية الفلسطينية وتكثيف جهودها المباركة في فضح ما يجري في القدس وتوسيع دائرة التضامن العالمي معنا، بينما مطلوب من الاخوة في وزارة الاعلام ونقابة الصحفيين وكل من له شأن بالتواصل مع العالم الخارجي ان يشحذوا الهمم لفضح الرواية الاسرائيلية التي تقدم نفسها الضحية وفي المقابل تجرم الشعب الفلسطيني. وما الاعتداء على محافظ القدس والرموز الوطنية والسياسية والدينية، الا مثال صارخ على مدى استخفاف الاحتلال بكرامتنا وتماديه في عدوانه الذي يطال كل ما هو فلسطيني يتنفس هواء القدس .
اما القوى والفصائل الفلسطينية فعليها العمل بجدية اكثر في معركة الدفاع عن القدس” سياسيا ،إعلاميا، ثقافيا، ميدانيا واجتماعيا” ، فلا يكفي ان تكون ” فتح” وحدها في الساحة، وعلى الجميع التوحد في جبهة عريضة لمواجهة المخطط الجهنمي الذي يرمي الى سحب القدس من تحت اقدامنا . ولعلني استذكر هنا مقولة الرئيس محمود عباس ان ” القدس مش للبيع” وقبله الزعيم الخالد ” أبو عمار” عندما قال ” هذا شعب الجبارين لا يدافع عن ارضه فقط بل يدافع عن مقدساته الاسلامية والمسيحية وعن ارض العروبة من المحيط الى الخليج وعن الاحرار والشرفاء في هذا العالم” فيما قال حكيم الثورة جورج حبش”الصراع قد يستمر مئة عام او اكثر فعلى قصيري النفس ان يتنحوا جانبا.” ومن هنا فان الدعوة مفتوحة للجميع ليأخذ كل مكانه في الدفاع عن القدس أرضا وشجرا وحجرا وبشرا .
أخيرا فلتكن القدس بوصلة الجميع وليكن المقدسي على رأس اولويات فصائل العمل الوطني فهو يستحق الاهتمام ويستحق الوقوف الى جانبه وتعزيز صموده. ورحم الله ابن خلدون عندما قال :” الظلم والطغيان لا يستمران والشعب وحده من يقرر من يبقى ومن يرحل “. وانني على ثقة بأن المقدسيين هم من يقررون بقاءهم وهم من يرسمون مستقبل ابنائهم ، فطوبى لكل المقدسيين في قلب المدينة المقدسة وحيثما وجدوا .