نابلس - أكرم عطا الله - النجاح - كل مرة ينبغي التفكير بالسياسة باعتبار أنها ليست ابنة المصادفات خصوصاً حين يتعلق الأمر بدولة تحسب جيداً مثل إسرائيل، قد تأخذ طابعاً عشوائياً أو ردات فعل لدى دول العالم الثالث، وبعض الدول العربية نموذجاً، ولكن لدى تل أبيب فإن الأمر يختلف، ولأن الحالة الفلسطينية برمتها خاضعة للغلاف الإسرائيلي، ولأن الإسرائيلي ليس لديه أولوية سوى إذابة القضية الفلسطينية، فكل قوته وأمنه ومراكز دراساته لا تغمض عيونها وهي تفكر ليل نهار بكيفية إبادة هذه القضية.
لذا لا يمكن النظر ببراءة أو بمصادفة بكل ما يحدث للفلسطينيين. وقد دلت التجربة والتي أكدها الكثير من الأحداث والشواهد أن ما يهندسه الإسرائيلي تتم ترجمته، ولا يمكن النظر ببراءة أيضاً لانحسار الدعم المالي عن الفلسطينيين فالسلطة تشهد أسوأ أزمة مالية في تاريخها قد تهدد دفع الرواتب. أما حركة حماس في قطاع غزة فتعيش ما هو أسوأ، فهي تفاوض منذ نهاية حرب أيار الماضي على كيفية إدخال عشرة ملايين دولار لرواتب موظفيها وبين هنا وهناك يعيش الفلسطينيون على شفا الإفلاس.
خلال العام الماضي، كانت هناك تجربة تستحق التأمل في السياسة الإسرائيلية للوضع المالي الفلسطيني. ففي الضفة الغربية، عندما انحسرت موازنة السلطة بسبب وباء كورونا قامت إسرائيل بإقراض السلطة من البنوك الإسرائيلية مبلغ 2 مليار دولار، أما في غزة، فقد أرسل حينها نتنياهو رئيس «الموساد» آنذاك يوسي كوهين يرافقه قائد المنطقة الجنوبية إلى الدوحة لنقل الأموال الشهرية لحركة حماس ما كان يعكس سياسة نتنياهو بإبقاء الانقسام والحفاظ على شكل النظم القائمة.
بعد تشكيل حكومة جديدة في حزيران الماضي برئاسة ممثل وزعيم القومية المتطرفة نفتالي بينيت بدا أن الوضع الاقتصادي الفلسطيني يزداد سوءا بل ويشرف على الغرق. صحيح أن الوباء الذي اجتاح البشرية قد أثر على الاقتصاد العالمي والفلسطيني، وصحيح أن الضرائب والجباية تراجعت ولكن ليس إلى الحد الذي تتوقف فيه أي أموال أو مساعدات، فقد تغيرت إدارة البيت الأبيض ورحل ترامب الذي أراد عصر الفلسطينيين كليمونة فأوقف كل المساعدات الأميركية لكن إدارة بايدن التي أعطت بعض الأمل في المقاطعة لم تكن على الصعيد المالي أفضل من إدارة ترامب.
الاتحاد الأوروبي الذي تبلغ مساعداته قرابة نصف المليار دولار هو الآخر توقف وبعدها الدول العربية وبالتحديد دول الخليج أوقفت هذا العام أي مساعدات للسلطة. فهل في عداد المصادفات أن يشرف الوضع الفلسطيني على الانهيار وفجأة تتوقف أي مساعدات.
يمكن الاعتقاد أن المسألة ليست مصادفة، فالأمر هنا يتعلق بحكومة تل أبيب التي حولت الضفة الغربية إلى ما وصفه المبعوث الأميركي هادي عمرو بالغابة الجافة. فقد جفت كل شرايين الدعم دفعة واحدة، عندما جاء عمرو إلى المنطقة تفاوض مع الإسرائيليين على تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين، وعندما زار بينيت واشنطن طلب منه الرئيس الأميركي أن يعمل على تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وهو المسار الوحيد في جعبة إسرائيل وإن كانت هذه المطالب تشكل إدانة دامغة على إسرائيل باعتبارها هي المتسبب بهذا الاختناق باعتبارها المطالبة بإنهائه. ولكن إذا كان الأمر كذلك لماذا يسارع الإسرائيلي إلى تقديمه؟ ولماذا لا يتحول هذا إلى الطلب الكبير والحلم الذي تشكل الاستجابة له بادرة إسرائيلية كبيرة تعفيها من تقديم أشياء أخرى.
ومن أجل ذلك، لا بد أن يصل الوضع الفلسطيني على حافة الكارثة وأن يعيش الفلسطينيون هاجس الفشل وفقدان التوازن وهاجس فقدان السيطرة إلى الحد الذي يتحول تحسين الوضع الاقتصادي الذي رفضوه سابقاً في اجتماع المنامة أو في عروض أخرى مثل صفقة ترامب إلى مطلب فلسطيني تحت وطأة الأزمة المالية، وخصوصاً في ظل المنافسة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس وحكمي الضفة وغزة وخوف فشل أي واحدة أن يصب في مصلحة الأخ اللدود وتلك خطوط حمراء.
لا يمكن الأخذ بتبريرات يشار إليها مثل الفساد في أروقة السلطة أو مقتل نزار بنات أو تأجيل الانتخابات، وإن كانت على أهميتها ومدعاة للحزن فلسطينيا لكن لا يمكن اعتبارها سببا حقيقيا. فالسلطة هي نفسها على مدى السنوات الطويلة السابقة واستمر التمويل والدعم دون أن تجري انتخابات لأكثر من عقد واستمرت كذلك في ظل ملاحقة واعتقال الخصوم السياسيين ولم تكن تلك قضايا مؤثرة عندما كانت إسرائيل تريد، ولكن، الآن، يبدو أن الظروف في إسرائيل تسير باتجاه مختلف تسبب بوقف كل أشكال الدعم وإذا كانت الولايات المتحدة تستجيب للرؤية الإسرائيلية وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يضع نفسه في وضع معاكس لسياسات إسرائيل، ماذا عن العرب؟
في السياسة الإسرائيلية ما يؤشر على عملية ابتزاز وهي تسير بمراحل تتوالى وكل مرحلة بمناخات معينة تنتقل بعدها للأخرى وفي كل واحدة تعمل على تخفيض سقف الفلسطيني أكثر، تدير سياسة ماكرة ومحكمة وتهيئ لها الظروف والمجتمع الدولي والمحيط الإقليمي وتراهن على ترويض العقل السياسي الفلسطيني للهبوط أكثر تحت وطأة الأزمات المتلاحقة التي تخلقها مرة بنقص المال وبوجود المنافس الداخلي ودون أن تنتبه الأطراف أنها تهبط أكثر، فلا أحد يتحدث سياسة ومنذ أشهر توقفت السلطة عن الحديث السياسي منذ أن وصلتها الرسالة الأميركية بالحدود التي تقف عندها واشنطن في ملف الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وباتت تفكر فقط بحل الأزمة والبحث عن سبل للتمويل. وللمفارقة الساخرة فإن الرجل الذي يدير حكومة حماس بغزة أيضاً طالب بالبحث عن سبل تمويل فهل تلك مصادفة أيضاً.
طبيعة الأزمة والتأقلم مع الواقع والهبوط في مستوى التطلعات من وطنية إلى مالية إنسانية تعيد الإصرار على التفكير بالواقع الفلسطيني برمته ليس فقط بالانقسام وسط حالة العبث القائمة والتلاعب الإسرائيلي بالأطراف جميعاً ليس فقط الفلسطينيين، فهو يكلف بعض العرب باستكمال الانقسام وتمويله من جيوبهم، بل أيضاً بتجربة حكم الفلسطيني لنفسه تحت الاحتلال وتحكم المحتل بالتفاصيل وتحويل هذه التفاصيل إلى مقايضات ابتزازية لسنوات طويلة يهبط فيها الفلسطيني أكثر، فإلى أين سنصل؟ وهل يمكن الاستمرار؟ من الصعب الجزم أو الحديث بنعم أو لا ولكن السؤال الذي أفرزته التجربة لأي مراقب يرى كيف تسير السياسة على سلم بياني هابط والتي بدأت بفائض الحقوق الوطنية وتنتهي بنفس الحاجات الإنسانية وتصير هذه الأخيرة هاجساً لشعب كامل تحت الاحتلال أو هاجس القوى التي أخذت على عاتقها تحرير هذا الشعب من المحتل، ولكنها تنتظر نفس المحتل ليوافق لها على انفراجة مالية، هل تلك معادلة سوية..؟؟؟